تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » المسيحية في ثلاث آيات

المسيحية في ثلاث آيات

القس/ أمير اسحق

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

((المسيحية في ثلاث آيات))
(عبرانيين 9: 22، 11: 6، 12: 14)
في ثلاثِ آياتٍ لَخَّص كاتب الرِّسالة إلى العِبرانيِّين، المسيحيَّة، في ثلاثَة أزمِنَة: “بدونِ سَفْك دمٍ لَمْ تحصُل مَغفِرة” في إشارة للزَّمن الماضي. “بدونِ إيمانٍ لا يُمكنُ إرضاؤه” في إشارةٍ للزَّمن الحاضِر. “القداسَةُ التي بدونِها لَنْ يرى أحدٌ الرَّبَّ” في إشارة للزَّمن المستقبَل. والكلمة المحوريَّة في الآيات الثَّلاث هي “بدونِ”. وبحسب قواعد اللغة العربيَّة فإنَّ كلمة “دونَ” ظَرْف مكان مَنْصوب، يعني “أسْفَل، تًحت، غَيْر، أقَلُّ مِنْ”. في هذا يقول مُعظَم عُلماء اللغة إنَّ كلمة “بدون” غيرُ صحيحةٍ، لأنَّها تجمَع بين نقيضَيْن، وهذا غير جائز. فالباء حرف جَرّ للاستعانَة، وكلمة “دون” تُستَعمل للتَّرْك. فنقول مثلاً: “كتبتُ بالقلم” أي كتبتُ مُستعيناً بالقلم. وأقول أيضاً: “كتبتُ دون قلمٍ/ مِن دونِ قلمٍ”، أي كتبتُ بغير استعانةٍ بقلم. فحيث أنَّه لا يجوز الجمع بين النَّقيضَيْن، الاستعانة والتَّرْك، يكون التَّعبير “بدون” غيرُ صحيح لُغويَّاً. أمَّا مَن استخدموا التَّعبير “بدون” فقد استخدموه سماعاً فحسب.
(1) “بدون سَفْك دم” ليس لنا غفران
الدَّم سائل لزج لازم لحياة كُلِّ كائن حيّ، الإنسان والحيوان. والكلمة “دَم” في العربيَّة هي نفسها في العبريَّة، وهي مأخوذة من اسم “آدم” الذي يعني “الأحمَر”. وقد استخدمها الكتاب المقدَّس كمُرادِف للحياة نفسها “لأنَّ نَفْسَ الجَسَد هي في الدَّمِ”. أمَّا سَفْكُ الدَّم فهو كنايةٌ عن انسكاب الدَّم، ويدلُّ على حدوثِ الموت الأكيد.
هذه هي قوانين عدالة الله وقداسته: أولاً، أُجْرَة الخطيَّة هي مَوْت.. ثانياً، لا غُفْران من دون سَفْك دَم. هذا لا يعني أنَّ إلهنا إلهٌ دمويٌّ، لا يَهَب غُفرانه إلاَّ عندما يرى الدِّماء تسيل. بل هي صورةٌ رمزيَّةٌ لِمَا كان يجب على الإنْسان أن يفهمه، أنَّه يجِب أنْ يموت لأنَّه خاطئ، وكانت الذَّبيحة في العهد القديم تموت نيابةً عنه، كرمزٍ لحَمَل الله الذي يرفَع خطيَّة العالم. هذا هو الثَّمن الذي كان يجب أن يدفعه الإنسان لينال الغفران الإلهي، وكانت الذَّبائح تحلُّ محلَّ الإنسان وتنوبُ عنه. وكان لكُلِّ خطيَّةٍ ذبيحة. لذلك، شَدَّد العهد الجديد على أنَّ دَم يسوع المسيح قد سُفِكَ فِعلاً وحَقَّاً، وأنَّ جميع تلك الذَّبائح التي سبَقَته، لَمْ تَكُن إلاَّ رَمْزاً له. ولما كان العِنَب يُسمَّى “دَمُ الكرمةِ”، فقد ارتبطَت فكرة الدَّم في العشاء الرَّباني بعصير العِنب (تكوين 49: 11/ تثنية 32: 14). هذا هو أساس العهد الجديد، كما قال المسيح: “هذه الكأسُ هي العهدُ الجديدُ بدَمي”. هذا هو الأساس الأوَّل للمسيحيَّة: “لدَمِ المسيح القُدرة على غُفران عددٍ غير مَحدودٍ مِن الخطايا، ولعددٍ غير مَحدودٍ من الخُطاة، في كلِّ العصور. هذا هو الطَّريق الوحيد لنَيْل غفران الله”.
(2) بدون إيمانٍ لا يُمكن إرضاء الله
كلمة “إرضاء” كلمة قانونيَّة، وهذه قضيَّة قانونيَّة. فعلى مُمَثِّل الاتِّهام فيها الدِّفاع عن المتَّهم بتقديم الحُجَجِ القويَّة والأدلَّة الصَّادِقة لتَبرئة المتَّهَم، وإلاَّ هلَك، والمتَّهم هُنا هو الإنسان الخاطئ. ويقول “لأنَّه يَجِبُ أنَّ الذي يأتي إلى الله يؤمِن بأنَّه موجودٌ، وأنَّه يُجازي الذين يطلبونه”. فالإيمان العملي يقتَرِن بالإتيان العملي، فهُما قرينان لا يفترقان. مَن يؤمن يجب أن يأتي، ومَن يأتي يزدادُ إيمانه عُمْقاً وفهْماً. يأتي إلى الله في الصَّلاة وقراءة الكلمة والعبادة والخدمة. أمَّا أخنوخ، فهو أعظم مَثَل على ذلك الإيمان اللاهوتي الصَّحيح والعملي السَّليم، لأنَّه شُهِدَ له بأنَّه أرضى الله.
ومَن يأتي إليه عليه أن يؤمن بمادَتَيْن في ذلك الإيمان: الأولى هي أنَّ الله موجودٌ. والثَّانية هي أنَّه يُجازي الذين يطلبونه. هنا نسمع قول الحِكْمة، المسيح بروح النُّبوءة يقول: “أنا أحِبُّ الذين يُحبُّونني، والذين يُبكِّرون إليَّ يَجدونني” (أمثال 8: 17). فمَن يُحبُّ الله يُبَكِّر إليه، يُبَكِّر في حياته وشبابه، وفي كلِّ يوم من أيامِه. ومَنْ يُحبُّ الله سوف يطلُبَه واثِقاً أنَّه سيجده. إنَّ العلاقة قويَّة جدَّاً بَيْن الإتيان والطَّلب والمُجازاة. في هذا نسمع القول: “الرَّبُّ معكُم ما كنتُم معه. وإنْ طلبتموه يوجَدُ لكُم، وإنْ تركتموه يترُككُم” (2 أخبار 15: 1-2)..
(3) بدون القداسة لن يرى أحد الرب
يقول الرَّسول هنا: “اتَّبِعوا السَّلامَ مع الجميع، والقداسَةُ التي بدونِها لن يرى أحدٌ الرَّبَّ”. السَّلامُ أساس العلاقة مع النَّاس، والقداسةُ أساس العلاقة مع الله، ولا يجوز أن نترك القداسة ونكتفي بالسَّلام الاجتماعي الأخوي. وهُما وصيَّتان في موعظة المسيح على الجبل: “طوبى لصانعي السَّلام، لأنَّهم أبناءُ الله يُدعَون.. طوبى لأنقياءِ القلب، لأنَّهم يُعاينون الله”. وعليه، نستطيع أن نفهم أنَّ القداسة هي نقاوة وطهارة القلب. والنَّقاوة هي وِحْدَة القَصْد. فنقيُّ القلب لا يعمل شيئاً بقصدَيْن وهدَفَيْن، إنَّه يُفكِّر ويتكلَّم ويعمل بقَصْدٍ واحدٍ ولهدفٍ واحدٍ فقط، ذلك القلب النَّقي هو الذي يُعاينُ الله بالإيمان، وسوف يُعيانه حقَّاً بالعيان. هي القداسة التي بدونها لن يستطيع أحدٌ أن يدخل ملكوت الله ويرى عرش الله والجالس عليه.
والقداسة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتَّكريس والتَّخصيص للرَّبِّ. كان القولُ بأن هذا الشَّيء أو ذلك الشَّخص “قُدسٌ للرَّبِّ” يعني أنَّه موقوفٌ لخدمة الرَّبِّ ولا سواه. والقداسةُ هي الاختلاف والتَّميُّز. فنقول إنَّ يوم الرَّب يوم مُقدَّس، أي أنَّه يختلف ويتميَّز عن بقيَّة الأيَّام. وبيتُ الرَّبِّ مُقدَّسٌ، أي أنَّه يختلف ويتميَّز عن بقيَّة البيوت. وشعب الرَّبِّ مُقدَّس، أي أنَّه مُختلف ومُتميِّز عن بقيَّة الشُّعوب. والقداسة ليَست أعمالاً يؤدِّيها الإنسان فيُصبح مُقدَّساً، لكنَّها حالةُ القلب الدَّاخليَّة النَّقيَّة، حيث دوافع الإنسان وأفكاره ومصدر أفعاله وردود أفعاله.
بهذه الثلاثية يُمكننا أن نفهم المسيحيَّة، في ثلاث نقاط مُحدَّدة لا تَقبَل جَدلاً: “الدَّم، الإيمان، القداسة”. بدون سفك دمٍ لن يغفر الله. بدون إيمانٍ عملي لن يَرضى الله. بدون القداسة المطلوبَة لن يُرى الله.
مع محبتي وصلاتي لأجل القرّاء الأعزاء
القس أمير اسحق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.