تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ثلاثُ نظراتٍ نحتاجُها

ثلاثُ نظراتٍ نحتاجُها

القس/ أمير اسحق

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

(الرسالة التي أعطاني الرب أن أقدِّمها صباح الأحد 11/ 7 في الكنيسة الإنجيلية في العباسية، بدعوة الزميل المحبوب القس ثروت ثابت. شكرًا للرب لأجل هذه الفرصة، وشكرًا حضرة القسيس للدعوة المشرِّفة. والرب يستخدم كلمته لخير كنيسته)
((ثلاثُ نظراتٍ نحتاجُها))
(إشعياء 45: 20-23 & يوحنا 4: 34-38 & 2يوحنا 7-9)
يرى الإنسان بعينَيْه ما يقرُب من نصف مليون مَشهَد يوميًّا، تُسجَّل في ذاكرته. والرُّؤية بالعين لا تَحدُث بخروج أشِعَّة من العين، بل باستقبال الأشعَّة التي تسقط على الأشياء والأشخاص، فتتكوَّن الرُّؤية داخل العين. فليُعطِنا الربُّ نعمةً اليوم حتى نستقبل أشعَّة نوره ونور كلمته، لتستنير عيون أذهاننا في تأمُّلنا هذا:
نلاحظ ثلاث كلمات في ثلاث آياتٍ على التَّوالي: (إشعياء 45: 22) “التَفِتُوا إليَّ واخلُصوا يا جميعَ أقاصي الأرض”، و (يوحنا 4: 35) “ارْفَعُوا أعينكم وانْظُروا الحقول، إنَّها قد ابيضَّت للحصاد”، و (2يوحنا 😎 “انْظُرُوا إلى أنفسكم، لئلاَّ نُضَيِّع ما عمِلناه”. في هذه الآيات الثلاث نلاحظ أنَّه يأمُرنا بثلاثِ نظراتٍ يحتاجها كلّ إنسان. بل هي نظرةٌ واحدةٌ مُثلَّثَة الاتِّجاهات: نظرة بعيدة/ رأسيَّة، ونظرة مُتوسِّطة/ أفقيَّة، ونظرة قريبة/ داخليَّة. نظرة لأعلى للرَّب، ونظرة حولك للحقول، ونظرة لداخلك لنفسك. والنَّظرة هنا ليست الرُّؤية بالعين المُجرَّدة، بل نظرة الانتباه والاستجابة والاستقبال والوعي والكَشْف والفحص.
“اِلتفتوا إليَّ”
في هذه الآية نرى: أعظَم بركة، لأكبَر عدد من النَّاس، بأسهَل طريقة، وبأقوَى ضَمان. أعظم بركة هي بركة الخلاص “اخلُصوا”. لأكبر عدد من النَّاس “يا جميع أقاصي الأرض”. بأسهَل طريقة “التَفِتوا إليَّ”. وبأقوى ضمان “لأنِّي أنا الرَّبُّ وليس آخَر”. هذا ما شرحه المسيح لنيقوديموس، مُستنِدًا إلى حدث تاريخي قديم: “وكما رفَع موسى الحيَّة في البريَّة، هكذا ينبغي أن يُرفَع ابنُ الإنسان. لكي لا يَهْلِك كلُّ مَن يؤمن به، بل تكونُ له الحياة الأبديَّة” (يوحنا 15،14:3). عندما اشتاق الشَّعب قديمًا للعودة إلى العبوديَّة في مصر، وتذمَّروا على موسى وهارون، ضربَهم الرَّبُّ بالحيَّات المُحرِقَة، وهو نوع من الحيَّات ذات لَدْغَة سامَّة حارِقَة، وهي أخطَر الحيَّات وأشدّها سُميَّة وعدوانيَّة، ولدغتُها تقضي على حياة الإنسان خلال أربعة أيَّام. لكنَّهم، لمَّا اعترفوا وتابوا، أعطاهم الرَّبُّ وسيلةً خارجيَّة للشِّفاء، حيَّة نُحاسيَّة. تُشبِه إلى حدٍّ كبير شكل الحيَّة الحقيقيَّة المُحرِقة، ماعدا سُمّها القاتِل الحارِق الذي تحويه. فكان مُجرَّد النَّظَر إلى تلك الحيَّة النُّحاسيَّة، هو وسيلة الشِّفاء والنَّجاة من ذلك الموت المُحقَّق.
كان على كلِّ واحدٍ، ممَّن لدغتهم الحيَّات، أنْ ينظُر بنفسه لصالحه ولنَجاته الشَّخصيَّة. ولا يجوز أنْ ينظُر أحدٌ لصالِح آخَرٍ من أقربائه أو أصدقائه. ومَن لا ينظُر تلك النَّظرة، سيَطاله الموت حَتْمًا. ومَن ينظُر إلى نفسه وإلى حالته في يأسٍ ولا يُصدِّق أنَّ تلك هي طريقة الشِّفاء الوحيدة، سوف يموت. أمَّا الهدف مِن تلك النَّظرة فهو اختبار الطَّاعة وتصديق كلام الله لموسى.
هنا يقول المسيح لنيقوديموس إنَّ ذلك الحدث كان رمزًا للحقيقة الآتية وقد تحقَّق في مِلء الزَّمان، أي المسيَّا المُخلِّص، الذي سيُرفَع على الصَّليب، ويُرفَع إلى السَّماء مُقامًا. أمَّا النَّظرة إليه، بإيمانٍ بما عمله لأجل البشر، فهي التي تُخلِّص مَن يؤمن به، فتكون له الحياة الأبديَّة. لذلك، يقول يوحنَّا: “كلُّ الذين نظروا إليه استناروا، ووجوهَهُم لم تخجل.. هذه هي الشَّهادة، أنَّ الله أعطانا حياة أبديَّة، وهذه الحياة هي في ابنه، مَن له الابن فله الحياة، ومَن ليس له ابن الله فليست له حياة”. هذه هي النَّظرة الأولى التي يجب أن ينظُرها كلّ إنسانٍ ليُشفَى من الخطيَّة ويَخلُص من نتائجها القاتِلة المُميتة. هي نظرةُ الإيمان بالرَّبِّ يسوع المسيح، الذي رُفِع على الصَّليب ليُسدِّد دينَنا ويُنقِذنا من نتائج الخطيَّة، الموت الأبديّ المُحقَّق، والانفصال التَّام الأبديّ عن الله القدوس. هذا هو النِّداء المُتجدِّد: “التَفِتوا إليَّ واخلُصوا يا جميعَ أقاصي الأرض، لأنِّي أنا الله”.
“اُنظُروا الحقول”
بسبب كلام المرأة السَّامريَّة لأهل بلدَتها عن المسيح، الذي كانت قد التَقَتْه للتَّوِّ، جاء كثيرون باستعدادٍ كبيرٍ لسماع كلام المسيح مِنه مُباشَرةً. فلمَّا رأى يسوع ذلك الجَمْع المُسْتعِدّ قال لتلاميذه: “انظُروا الحقول.. اغتنموا الفُرصة ولا تُضيِّعوها، واحصُدوا ما لَمْ تتعَبوا فيه. إنَّهم يحتاجون إلى تبشيرٍ وتعليمٍ”. فمَن ينظُر النَّظرة الأولى للمسيح وينال الخلاص، عليه أن ينظُر النَّظرة الثَّانية لمَن حوله، ويذهب إليهم، ويشهَد لهم عن المسيح، ويدعوهم إلى ينبوع الماء الحيّ، كما فعلت المرأة السَّامريَّة.
أحيانًا نعتَذِر بأنَّ النَّاس غير مُستعدِّين لسماع الكلمة، أو غير مُكترثين بها، أو أنَّنا لَسْنا كُفاةً لذلك. لكن المسيح يوجِّه انتباهنا “ارفعوا أعينكم” انظُروا، هناك أناسٌ جاهِزون لذلك الحصاد، قلوبهم مُستعدَّة لقبول الكلمة وفهمها. واحِدٌ زرع في وقتٍ، وآخَر سقَى في وقتٍ آخَر، وجاء وقتُ الحصاد ليفرح الزَّارع والحاصِد معًا. هناك مَن يشهد عن المسيح بطريقة “الإشعاع”، فيرى النَّاسُ أعمالَهُ وحياتَهُ، ويسألون، بشكلٍ مُباشِر أو غير مُباشِر، عن سرِّ تلك الحياة المُبارَكة، وعن سبب الرَّجاء الذي فيه. وهناك من يشهَد بطريقة “الإقناع”، عندما يدخل في حوارٍ هادفٍ مع أحدٍ، ويُقنِعه بأنَّ يسوع هو المسيح، وأنَّه الطَّريق الوحيد للخلاص. كلُّنا مدعوون لنشهَد بالإشعاع، وبعضُنا مدعوٌّ ليشهَد بالإقناع، لأنَّ ذلك الأمر يحتاج إلى مهارات خاصَّة. هذا هو النِّداء المُتجدِّد أيضًا: “ارفعوا أعينكم وانظُروا الحقول، إنَّها قد ابيضَّت للحصاد”.
إلاَّ أنَّه، قد ينظُر أحدٌ النَّظرة الأولى المُخَلِّصة، ثمَّ يُغمِض عينَيْه ويكتفى بأنَّه نال الخلاص. لكن المسيح اختارنا، ليس لنجلس معه وننظُر إليه ونتمتَّع به فحسب، بل اختارنا أيضًا لكي ننظُر حاجة الذين نعيش بينهم، ونقودهم ليأتوا إليه. فهو يقول على التَّرتيب: “تعالوا إليَّ لتَخلُصوا، ثم اجْلِسوا قليلاً لتَتعلَّموا، ثم اذهبوا إلى العالَم لتَشهَدوا. انظُروا نظرة الإيمان الخلاصي، ثم انظُروا حقولَ الخدمة الجاهِزة للحصاد”. فكلُّ مَن استنارَ يُنيرُ، والمُرْوَى هو أيضًا يُروي. فلا تكُن مثل مياهٍ راكِدَة في بِرْكة، بل كقناةٍ تربط بين المَصَبِّ والمَنبَع.
وعلى الجانِب الآخَر، ما أكثر المَرَّات التي فيها ينظُرُ أحدٌ النَّظرة الثَّانية قَبْل الأولى، أو مِن دونها، فيريد أن يخدُم المسيح دون أن يأخُذ المسيح، أو دون أن يكون جاهزًا ليشهَد عنه. مِثل أولئك يتركون الخدمة سريعًا دون أن يُحقِّقوا تأثيرًا يُذكَر.
“اُنظُروا إلى أنفُسكم”
النَّظرة الأولى للرَّبِّ هي للخلاصِ والشِّفاء، الثَّانية لمُجتمعك للخدمة والشَّهادة، أمَّا الثالثة فهي لنفسِك للفحص والامتحان. المؤمن الحقيقي يفحَص نفسه دائمًا، يفحص عقائده وسلوكه وأفعاله وردود أفعاله وانفعالاته وانفلاتاته. يُشير يوحنا هنا إلى المُضَلِّلِين وضَلالاتهِم، ولأنَّ هناك مُضِلُّون كثيرون، فإنَّه يطلب مِن كلِّ مؤمِن مُخلِصٍ أنْ يفحص نفسه لئلاَّ يسقط في أيَّة ضلالةٍ، قَبل أن تمتَحِن نار التَّجارب والأزمات عمل كلِّ واحدٍ ما هو. وذلك بحسب قول بولس أيضًا في (1كورنثوس 13،12:3)، حيث يُبيِّن مجموعتان مِن أعمال المؤمنين، مجموعة الذَّهب ومجموعة الخشب: [أ] “ذهب فضة حجارة كريمة” وهُم الأتقياء، المُؤسَّسُون على المسيح، الذين قَبِلوا التَّعليم الصَّحيح، ولديهم روح تمييز الأفكار. [ب] “خشب عُشب قَشّ”، وهم الذين يؤمنون بالمسيح، لكنَّهم تعلَّموا تعاليم خاطئة، وتجاوبوا ببساطة وسذاجة مع مُعلِّمين مُنحَرفين مُضِلِّين.
وهذه نوعيَّة ثالثة أطلَق عليهم بولس لقب “سُلَمَاء” عندما تكلَّم عن المُعلِّمين الكذبة في (رومية 16: 18) “مثل هؤلاء، لا يخدمون ربَّنا يسوع المسيح، بل بطونهم. وبالكلام الطَّيِّب والأقوال الحَسَنَة يخدعون قلوب السُّلَمَاء”. أمَّا أولئك السُّلَمَاء فهم الذين يؤمنون بالمسيح، لكنَّهم ضُعفاء في الفِكْر والإيمان، وساذجون حتى يسهل خداعهم بالتَّعليم الباطل. فتعلَّموا تعاليم خاطئة، رُغم إيمانهم الصَّحيح بالمسيح. فالنَّاس ثلاثةٌ: (أتقياء) إيمانهُم صحيح، ومعرفتهم صحيحة. (حُكماء) معرفتهم صحيحة، لكن ليس لهم إيمان. حُكماء في نظر أنفسهم، حُكماء هذا الدَّهر. و (سُلَماء) لهم إيمان صحيح، لكن دون المعرفة الصَّحيحة، فيسهل خداعهم بما هو غير صحيح. فانظُر إلى نفسك وافحَص نفسك جيِّدًا، مَن تكون مِن تلك الأنواع الثَّلاثة؟
ولكي نُعالج ذلك النَّقص قبل وقت الامتحان وفوات الأوان، لنَنظُر تلك النَّظرة الثَّالثة الذَّاتيَّة، ونفحص أنفُسنا، ونختبر أعمالنا ومُعتقداتنا. قد يكون العمل الذي نُؤديه باسم المسيح، ليس لمجد المسيح، بل لمَجدنا الذَّاتي. فانظُر إلى نفسك واكتشِف أقلَّ انْحرافٍ في أهدافِك وفي وسائلك وفي شخصيَّتك، في عاداتك وعلاقاتك وعبادتك وخدمتك. هذا هو النِّداء المُتجدِّد أيضًا: “انظُروا إلى أنفسكم، لئلاَّ نُضيِعَ ما عمِلناه”.
وهكذا، فإنَّ كلَّ واحدٍ مِنَّا يحتاج إلى هذه النَّظرات الثَّلاث بذلك التَّرتيب، من أجل خلاصه وخدمته وحياته وأبديَّته. بل هي نظرة مُثلَّثة: للمسيح لنَيْل الخلاص والشِّفاء، وللمُجتمع المُحيط لتأديَة الخدمة والشَّهادة، وللنَّفْس لتنقِيَة القلب وتطوير الشَّخصيَّة. فلْنَأْتِ إليه مُصلِّين: “اختبرني يا الله واعرف قلبي، امتَحنِّي واعرف أفكاري. وانظُر، إنْ كان فيَّ طريقٌ باطلٌ، واهدني طريقاً أبديًّا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.