تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » د.نادية حليم – العقل الحر والطموح الثابت

د.نادية حليم – العقل الحر والطموح الثابت

الكاتبة

 الدكتورة آن زكي 

مدرس مساعد بقسم اللاهوت العملي

كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

الحلقة (14): العقل الحر والطموح الثابت
— من سلسلة “احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية”
اختلطت مشاعر الفرح والحزن لديها وهي طفلة عمرها أربع سنوات – كانت مشاعر الفرح بسبب ميلاد أختها، ومشاعر الحزن بسبب رد فعل جيرانهم الكئيب في ملوي لأن المولودة أنثى. تكررت هذه المأساة مرتين أخريين بعد ميلاد أختين أخريين، لتصبح نادية البنت الثانية من خمسة بنات في أسرتها. “مأساة ولادة طفلة أنثى في الصعيد ملأت عقلي ووجداني بقضية المرأة من وقتها” قالت الدكتورة نادية حليم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث.
د. نادية من مواليد القاهرة، لكنها انتقلت مع اسرتها للصعيد بسبب ظروف عمل والدها. تعلمت في المدرسة الإنجيلية في ملوي، حيث تفوقت على زملائها لتتخرج بشهادة الثانوية العامة في المرتبة الأولى على دفعتها في سن 15 سنة فقط، وكانت من الـ 10 الأوائل على مستوى محافظة المنيا. قررت الأسرة الانتقال للقاهرة بعد تخرجها، حيث التحقت الشابة نادية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم العلوم الاجتماعية والنفسية. تفوقت ثانية في دراستها الجامعية فتخرجت في المركز الأول على دفعتها قبل أن تبدأ عامها العشرين، فتم تعينها رسمياً معيدة في المركز القومي للبحوث سنة 1963 فور تخرجها من الجامعة.
ارتبطت بالدكتور الصيدلي كمال يوسف داود بعد تخرجها مباشرة، والذي كان لها خير معضدٍ وسندٍ لها في تحقيق طموحها الأكاديمي والمهني وأفضل داعم لرؤيتها الخدمية. رزقهما الله بالابن ماجد خلال فترة دراستها لبرنامج الماجستير، وسافرت لهولندا لمدة سنة للحصول على دبلوما متخصصة في الدراسات الحضارية، كما سافرت إلى انجلترا لدراسة برنامج متخصص في العلوم الجندرية (النوع الاجتماعي). ثم رزقهما الله بالابنة نانسي خلال فترة دراستها لبرنامج الدكتوراه، لتصبح الدكتورة نادية أصغر شخص في المركز القومي للبحوث يحصل على درجة أستاذة في سن 40 سنة فقط. ومثلما تنسب د. نادية الفضل لزوجها المتعاون في هذه المرحلة المليئة بتحديات الدراسة والعمل وإنشاء أسرة، تقدم، كذلك، الامتنان والعرفان بالجميل لحماتها صاحبة المحبة المضحية التي ساعدتها في تربية الاطفال أثناء سعيها لتحقيق أحلامها الدراسية والخدمية والعملية.
كانت للدكتورة نادية، على مدار الخمسة عقود الماضية ومن خلال موقعها في المركز القومي للبحوث، مساهمات كثيرة أغنت الكثير من المجالات. فقد ألَّفت وساهمت بتأليف عشرات الكتب والمقالات والأبحاث في مجالات السكان، التنمية الحضارية، المرأة، الطفل، العشوائيات… وقد كانت قضيتا المرأة والسكان أكثر ما شغل د. نادية؛ حيث كانت دراستها في الماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع السكاني، وجنى مكان عملها ثمر هذه الدراسة؛ فقد أنشأت في المركز قسم للدراسات السكانية. كما أنشأت برنامجاً خاصاً لبحوث المرأة.
كذلك كانت للدكتورة نادية إنجازات عظيمة على مستوى الدولة والعمل العام. ففي عام 2000 جاء القرار الجمهوري لتأسيس المجلس القومي للمرأة، وكانت د. نادية أحد أعضائه الثلاثين في بداية تشكيله. هي أيضاً عضو في رابطة المرأة العربية والاتحاد النسائي. وفي عام 2013 تحت حكم الإخوان المسلمين نالت جائزة الدولة التقديرية في العلوم الأدبية لتصبح الأولى في الحصول على هذه الجائزة في تاريخ المركز القومي للبحوث.
أما على مستوى الكنيسة والعمل الخدمي فكذلك كان لها بصمتها الفريدة في الكثير من الجمعيات الأهلية. فهي عضو في الجمعية العمومية للهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية بجانب عضويتها في لجنة الحوار التابعة لنفس الجمعية. خدمت كعضو فعال في مجلس كنائس مصر ومجلس كنائس الشرق الأوسط. لها تاريخ مثمر في اجتماع السيدات في كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية منذ عام 1973، كما انضمت في هذا الوقت لعضوية هيئة تحرير مجلة أعمدة الزوايا، وليومنا هذا لها صفحة خاصة في المجلة تحت عنوان “معاً على طريق التنمية”.
في الثمانينات من القرن الماضي، دعاها د. ق. صموئيل حبيب لتكون أول سيدة تشغل منصب رئاسة مجلس إدارة الهيئة القبطية للخدمات الإجتماعية، ولكنها اضطرت للاعتذار عن هذا المنصب بعد شهر بسبب قرار إعارتها إلى السعودية للتدريس بكلية آداب جامعة الملك سعود في الرياض لمدة أربع سنوات. تميزت هناك كمدرسة ومعلمة، حتى إنها دُعيت بالاسم للعودة للتدريس في نفس الجامعة لمدة أربعة سنوات إضافية في التسعينات.
تم انتخابها في عام 2008 رئيسة لرابطة السيدات لفترتين دامتا 8 سنوات، عملت خلالها مع فريق قدير من السيدات على وضع لائحة جديدة للبنية التحتية، وتجديد الوضع التنظيمي للحضانات التابعة للرابطة وتقنين وضعهم مع وزارة الشئون الاجتماعية، كما وضعت نماذج لإعداد تقريروتقييم البرامج واللقاءات. قامت أيضاً بإعداد كتاب عن الرابطة باللغتين العربية والإنجليزية كانت تستخدمه للتعريف بتاريخ وأنشطة الرابطة عند استقبال ضيوف السنودس الأجانب. خلال هذه الفترة أيضاً أضافت خمسة برامج وأنشطة جديدة لخدمة الرابطة منها: رعاية الفتيات المراهقات وأسرهم، تدريب 14 سيدة على التمكين الاقتصادي والقروض متناهية الصغر بالشراكة مع المجلس القومي للمرأة، تأسيس برنامج نسائي-نسائي بالشراكة مع الكنيسة المُصلحة بسويسرا، الانضمام لفريق “نعمل معاً” بهدف تنسيق العمل بين مجالس السنودس، وأخيراً عمل مسح صحي لأطفال كنيسة محلية في وسط القاهرة كنموذج لاتباعه في كنائس أخرى.
في عام 2014 تم انتخابها بالاجماع لعضوية المجلس الملي الإنجيلي حيث شاركت بفاعلية في مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد الذي تم عرضه على مجلس الشعب. كانت ومازالت فترة عضويتها ثرية بمجهودات محمودة خصوصاً بمساهماتها في فصل “المواريث” من المسودة، حتى تأخذ المرأة نفس حق الرجل بحسب المبادئ المسيحية المبنية على تعاليم الكتاب المقدس نحو المرأة.
كان لها أيضاً تأثير في مجال الإعلام المسيحي حتى كرمها مركز الإبراهيمية الإعلامي لما قدمته من برامج متعددة عالجت قضايا اجتماعية خاصة بالأسرة والمرأة والطفل من منظور ديني على العديد من القنوات المسيحية مثل سات 7 وCTV والمعجزة والملكوت. كما شاركت مع كلية اللاهوت الإنجيلية والعديد من المجامع في تقديم برامج وندوات عن خدمة المرأة عموماً وعن موضوع رسامة المرأة قساً خصوصاً. سافرت للتدريس وتمثيل مصر في المجالات الأكاديمية والكنيسة في عديد من الدول الأمريكية والأوربية والآسيوية والأفريقية.
تعرضت د. نادية لحادثين كبيرين في سنتي 2013 و2015 أسفرا عن العديد من العمليات الجراحية وفترات طويلة للعلاج. ولكن بالرغم من هذا لم تفقد أبداً شغفها بالحياة والتزامها بخدمة الله ومحبة الإنسان. ربما تزخر حياة د. نادية حليم بإنجازاتها المبهرة، ولكنها حقاً تزهر بامتنانها لعطايا الله لها في أفراد أسرتها. “أرفع الشكر إلى الله من أجل أسرتي حيث منحني الله جوهرتين هما ابني د. ماجد جراح العيون، وابنتي نانسي خريجة كلية الصيدلة التي تركت مهنة الصيدلة لتعمل في مجال التدريس، وأحفادي الأربعة كارول وندى وباسم ونورا، قرة عيني ومصدر كل فرحة في الحياة. كما أرفع الشكر الدائم والمستمر إلى الله الذي ساعدني لكيلا يعوقني عن الخدمة زواج أو إنجاب أو دراسة أو عمل وقد منحني الرؤية ومهد لي الطريق – وبمساندة زوجي د. كمال يوسف – لكي أوازن بين كل أعبائي.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.