تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » لتكُن مشيئتُك

لتكُن مشيئتُك

القس/ أمير اسحق

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

خدمة خميس العهد
((لتكُن مشيئتُك))
متى 26: 36-46
هناك أربعة نصوص كتابيَّة تُقدِّمها كلمة الله، تتضمَّن مفاتيح السَّعادة الرّوحيَّة والنَّفْسيَّة والجسديَّة، هي: عندليب المزامير (مزمور الرَّاعي)، القواعد الأساس (الوصايا العشر)، مفاتيح السَّعادة (التَّطويبات)، أسُس العلاقة مع الله (الصَّلاة النَّموذجيَّة). النَّص الرَّابع منها هو النَّموذج الذي عَلَّمه المسيح لتلاميذه، مُعطيًا إيَّاهم أُسُس مُخاطبة الله والعلاقة الصّحيحة معه. الأساس الرَّابع منها هو معرفة وتحقيق مشيئة الله “لتكُن مشيئتُك”. فما الذي أراد المسيح أن يُعلِّمنا إيَّاه من ذلك الأساس؟ إنَّه مفتاح العلاقة الصَّحيحة مع الله، أن نطلب منه أنْ يجعلنا فاهمين وراغبين وقادرين على تحقيق مشيئته، كما تفعل الملائكة في السَّماء.
هذا ما طبَّقه المسيح في صلاته ليلة إلقاء القبض عليه، في بستان جثسيماني. فنقرأ أنَّه صلَّى ثلاث مرَّات في تلك الليلة: في الأولى صلَّى “يا أبتاه، إنْ أمكن فلتَعبُر عنِّي هذه الكأس. ولكن ليس كما أريدُ أنا، بل كما تريدُ أنتَ” (ع 39). بينما في الثَّانية والثَّالثة قال الكلام عينه مع استبدال كلمة “أريد وتُريد” بكلمة “لتكُن مشيئتُك” (ع 42، 44). هل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة؟
خطأآن
ما أوَّل ما يخطر ببالك عندما تسمع خبراً يبدأ بعبارة: “هذه مشيئة الله”؟ عادةً نتوقَّع خبراً مُفزعاً عن كارثة أو حالة وفاة. ذلك بسبب ارتباط الكلمة في أذهاننا بصلاة المسيح قُبَيل آلامه وصَلبه ومَوته. لذلك، عندما نسمع نبأ مفزعاً نقول: “إنَّها مشيئة الله”. وهكذا ارتبط ذلك التَّعبير في أذهاننا بالكوارث والآلام والموت، وهذا هو الخطأ الأوَّل. فعندما تحلّ بنا نقول: “هي مشيئة الله”. إنَّها صورة مُعتِمَة ومُخيفة ومَبتورة عن مشيئة الله. لذلك، فإنَّنا نخاف ونَنفُر تلقائيّاً عند سماعنا هذه الكلمة، وكأنَّ مشيئة الله دائماً تجعل الأشياء والأحوال مُرَّة المَذاق. بينما الحقيقة هي أنَّ مشيئته تعمل في كلِّ شيء، في طلوع الشَّمس وسقوط المطر والحصاد وتوالي البَرد والحَرّ.. الخ. والنَّافِع منها أكثر جداً ممَّا يبدو لنا أنَّه غَير نافعٍ لنا.
الخطأ الثاني هو استخدامنا هذا التَّعبير للتَّهرُّب من مسؤوليَّتنا في التَّفكير والتَّخطيط والتَّغيير، واتِّخاذ القرارات المدروسة والمسؤولة. فبعد كلَّ إخفاقٍ، بسبب ضعفنا أو جهلنا أو تجلهلنا للوصية، نقول: “هذه مشيئة الله”، وكأنَّ من مشيئته أن نُخفق ونفشل ونتراجع. لذلك، يجب ألاَّ نقول: “لتكُن مشيئتك” باستسلام وإحساس بالهزيمة، وكأنَّنا أمامها مُكبَّلين بأمرٍ واقِع ومشيئة حتميَّة. ولا نقولها وكأنَّ الله عدوَّنا، نتجنَّب الدُّخول معه في معركةٍ بمُمارسة بعض الطُّقوس. بل نقولها في محبَّة كاملة وثقَة تامَّة وفَرَح كثير. نقولها بإيمانٍ أنَّها دائماً هي الخَيْر الأفضَل والأسعَد لنا. نقولها ونحن في اشتياق لمعرفتها ومن ثمَّ تَحْقيقها.
(1) المشيئة الإلهيَّة
استخدام المسيح للكلمتَيْن في صلاته يُبيِّن أنَّ هناك فرقاً دقيقاً بينهما، رغم أنَّنا كثيراً ما نستخدمهما بمعنًى واحد. لكن هناك فوارق دقيقة: المشيئة إلهيَّة، والإرادة إنسانيَّة. المشيئة إجباريَّة، والإرادة احتماليَّة. المشيئة تستند إلى القُدرة المُطلَقَة، والإرادة تستند إلى القُدرة النِّسبيَّة. المشيئة فيها الإيجاد، والإرادة فيها الطَّلب.
تُقَسَّم مشيئة الله في العلوم اللاهوتيَّة، مِن حيث موضوعها، إلى قِسْمَيْن :
أ. مشيئته العامَّة
أي قَصد الله العام لجميع المؤمنين في كلِّ الأوقات، أن يكونوا مُشابهين صورة ابنه يسوع. هذه المشيئة مُعلَنَة بكلِّ وضوح في الكتاب المقدس، ومَعرفتها تحتاج إلى قراءة ودراسة كلمة الله. إنَّه يريد رحمة لا ذبيحة (هوشع 6: 6)، يريد الخلاص لجميع النَّاس (1تيموثاوس 2: 4)، يريد حياة القداسة للمؤمنين (1بطرس 2:4)، ويريد دوام شركة المؤمنين معاً بالمسيح (يوحنا 17: 11).
ب. مشيئته الخاصَّة
أي قصده لكلِّ شخص بمفرده في وقتٍ معيَّن، وقد تُستخدم كلمة “الإرادة” هنا. ومشيئة الله الخَّاصة تختلف من شَخص لآخَر، وقد تختلف للشَّخص نفسه مِن وقتٍ لآخَر. ولا نستطيع أن نعرفها مُباشرةً من الكتاب المقدس، لأنَّ القرارات الشَّخصيَّة مَتروكة لإرادتنا الحرَّة وتفاعُلنا مع كلمة الله، مثل: نوع العمل الذي أعمله، اختيار شريك الحياة، أين أسكن؟ مَن أصادِق؟
وتنقسم مشيئته من حيث معرفتنا بها إلى قسمَيْن، بينهُما موسى في قوله: “السَّرائرُ للربِّ إلهنا، والمُعْلناتُ لنا ولبنينا إلى الأبد، لنعمل بجميع كلمات هذه الشَّريعة” (تثنية 29: 29):
أ. مشيئة سرِّيَّة مُخْفاة عنَّا
هي تدبيرات الله التي تفوق العقل البشري، التي قصدها هو في نفسه مِن أسرار الفداء وأعمال العناية، التي لم يُعلِم بها البشر. فهو “يَعمل كلَّ شيء حَسَب رأي مشيئته” (أفسس 1: 11). ولا نستطيع معرفتها بالتَّحديد إلاَّ بعد تحقيقها، ولا نستطيع بأيِّ حالٍ مَعرفتها مُسبقاً. لذلك، يَدِين الكتاب المقدس بشِدَّة أمور التَّنجيم والعِرافَة وقراءة الكَفّ والتَّبصير، وغيرها من الوسائل التي يظُنّ بعضٌ أنَّهم مِن خلالها يعرفون إرادة الله لمُستقبلهم (إشعياء 47: 14،13 / ميخا 5: 12 / تثنية 18: 10-12).
ب. مشيئة مُعلَنَة يُمكن مَعرفتها
هي ما أعلنه الله لنا في كلمته لنسلك بموجبه، هي القانون الوحيد والإعلان الكامل عن مشيئته لنا “كلُّ الكتاب هو مُوحىً به مِن الله، ونافِع للتَّعليم والتَّوبيخ، للتَّقويم والتَّأديب الذي في البِرّ. لكي يكون إنْسانُ الله كامِلاً، مُتأهِّباً لكلِّ عملٍ صالح” (2تيموثاوس 3: 16، 17). وعندما قال المسيح: “ليس كلُّ مَن يقول لي يا ربّ يا ربّ يدخُل ملكوت السَّموات، بَل الذي يفعل إرادة أبي” (متى 7: 21) كان يشير إلى تلك المشيئة المُعلنة في كلمته، التي يجب أن نعرفها ونفعلها.
ما هو واجبنا أمام المَشيئتَيْن؟
بالنِّسبة لمشيئته المُخفاة، يجِب أنْ نُسَلِّم بها، لا أن نستسلِم لها، حتى لَو لَمْ نفهما، لأنَّها أعلى وأسمى مِن تفكيرنا البشري. فنَفْرح ونُسَرّ بها، حتى لَو كانت مُؤلمة لنا، لأنَّها مشيئة الآب المحِبّ الذي يَعرف ويَقصد كلَّ الخَير لأولاده دائماً. نَقبلها ونَخضع لها من دون شروط، مُتمثِّلين بالمسيح في صلاته: “يا أبتاه إنْ لَمْ يُمكِن أنْ تَعْبُر عني هذه الكأس إلاَّ أنْ أشربها، فلتَكُن مشيئتك”. لذلك كتب بطرس عن الخضوع لتلك المشيئة: “الذين يتألَّمون بحسب مشيئة الله، فلْيَسْتودعوا أنفُسهم كما لخَالقٍ أمينٍ في عَمَل الخَيْر” (1بطرس 4: 19).
أمَّا بالنِّسبة لمشيئته المُعلَنة، فلكي نعرفها، علينا أن نقرأ وندرس كلمة الله، ونَسعى لتحقيقها. ونُميِّز بَيْن ما يريده الله لكلِّ المؤمنين دائماً، وبَين ما يريده لكلِّ مؤمن بعينه في موقفٍ مُعيَّن. ولا نطلب مِن الله أن يُظهِرها لنا بطُرُق غير عاديَّة، بل نطلب منه أنْ يُرشدنا بروحه لنَفهم المبادئ العامة المُعلَنة في كلمته، ونطبِّقها في المواقف المناسبة، ونستخدم عقولنا وخِبراتنا، ونَسترشد بخبرات ونصائح الآخرين لنكتشفها. مُستندين إلى الوعد: “هذه هي الثِّقة التي لنا عنده، أنَّه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته، يسمع لنا” (1يوحنا 5: 14). فلا يستطيع أحد أن يطلب حسب مشيئة الله إلاَّ من يعرفها، ولا يعرفها إلاَّ من يتمتَّع بإدراكٍ روحيٍّ عميق فيُميِّز بين الخطأ والصَّواب، وبين الصَّواب والأصوَب. إنَّنا عندما نستخدم الهاتف اللاسلكي نلاحظ أنَّنا كلَّما ابتعدنا عن مجال التَّغطية نفقد الاتِّصال. كذلك الأمر هنا، كلَّما اقتربنا منه، كلَّما استقبلنا إرشاده وفهمنا مشيئته. وحتى لا يكون طلب مشيئة الله أمراً نظرياً، فقد وصل إلينا في شكل وصايا قابلة للتَّطبيق، وتجلَّى في أكمَل وأعظَم صوره في شخص المسيح: “أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررتُ. وشريعتُك في وسط أحشائي”.
(2) الإرادة الإنسانيَّة
عندما قال المسيح في صلاته: “لتكُن لا إرادتي…” لم يكُن يُعلِّمنا أن نلغي إرادتنا، ولو من باب الاتِّضاع المُزيَّف في مُعظم الحالات. بل قصد التَّشديد على إخضاع الإرادة الشَّخصيَّة، بما لها من امتيازات وما عليها من مسؤوليات، للإرادة الإلهيَّة المُعلنة في كلمة الله. “لتكُن” تعبير عن أشواق المؤمن للتواصل مع الملك القدوس، لتحقيق برنامجه. فالإرادة الإنسانيَّة إحدى الوسائل المُهمَّة للنَّجاح وتحقيق الإنجازات، والعمل بجديَّة لتحقيق الأهداف. هناك من إرادته قويَّة، وهناك من إرادته ضعيفة تعيق مسيرة حياته. تأتي الإرادة من داخل النَّفس فتُحرِّر الفرد وتُبعده عن الكسل والعجز، وتمنحه النَّشاط والقوَّة الضَّرورَيْن. ولتقوية إرادتك:
أ. اعرف نفسك: ابحث عن النِّقاط المُميِّزة لك، التي يمكنك الإبداع والنَّجاح فيها.
ب. ابحث عن دوافعك الرَّئيسيَّة لتقوية إرادتك: هذا هو مفتاح انطلاقك. فمن أراد أن يُنقِص وزنه أو يقلِع عن التَّدخين وفشل، فالسَّبب هو أنّ الدَّافع ليس قوياً بالقدر الذي يحقّق النَّجاح.
ج. تخيَّل الموقف، ونفسيّتك ونظرة النَّاس لك. وفكّر في الحلول، واختَر ما يناسبك منها.
د. الرِّفقة الإيجابية: أي مُرافقة الذين يُنجزون ويُقدِّمون أعمالاً مُبهرَة ومُثيرة.
إرادتان مُتعارضتان
رثى يسوع أورشليم وإعلن غضبه عليها، بنغمة حُزن وأسًى على خطيَّة ذلك الشَّعب. فماذا كانت خطيَّتهم التي جلبت غضبه على رؤوسهم؟ إنَّها الإرادة، ليس إرادة السُّوء، بل سُوء الإرادة. لأنَّ إرادتهم تعارَضَت مع إرادته، وهذه أُمُّ الخطايا. قال في مرثاته: “يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها، كمْ مرَّة أردتُ أن أجمع أولادك، كما تجمع الدَّجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (لوقا 13: 34).
كانت إرادته أن يجمعهم، وكثيراً ما فعل ذلك، وهُم لم يريدوا. هذه إرادته دائماً، فهو يريد الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقِّ يُقبِلون. كانت إرادته إصلاح الحياة المُظلِمة، وتطهير القلوب المُلوَّثة، وتغيير العقول المُتحجِّرة. لكنَّهم رفضوا إرادته تلك، وأهانوا واضطهدوا وقتلوا الذين أرسلهم إليهم بهذه الرِّسالة، تلك كانت خطيَّتهم العُظمى. أمَّا قادتهم فكانوا مِن المُتديِّنين الكذبة، الذين شعروا بتهديد رسالة المسيح، وتعارُض إرادته مع رغباتهم، فتآمروا عليه، لأنَّ العين المريضة دائماً تكره النّور.
الإرادة المُضادَّة
ما أكثر الذين يحلمون بتحقيق أهدافهم، لكنَّهم يفشلون في ذلك، وهم في الحقيقة يعيقون أنفسهم بأنفسهم. فالاستسلام لليأس والفشل، دون أيَّة مُقاومة، هو أسلوب التَّفكير القاتل الخفي لكلّ طموحهم. وما أكثر الذين يريدون أن يعيشوا حياةً مسيحيَّة حقيقيَّة، ويبدأون الطَّريق مع المسيح، لكنَّهم لا يستطيعون الاستمرار، لأنَّ إرادتهم ضعيفة. كذلك الذين يسعَون إلى اكتساب فضيلةٍ روحيَّة، لكنَّهم يخسرونها سريعاً، لأنَّ إرادتهم ضعيفة. والذين يسعَون لتَرْك خطيَّةٍ، لكنَّهم يرجعون إليها ثانيةً، لأنَّ إرادتهم ضعيفة. هؤلاء وأولئك يصرخون مع بولس: “لأنَّ الإرادةَ حاضرةٌ عندي، أمَّا أنْ أفعلَ الحُسنى فلستُ أجدُ. لأنِّي لستُ أفعلُ الصَّالحَ الذي أريدُه، بل الشَّرَّ الذي لستُ أريدُه فإيَّاهُ أفعلُ” (رومية 7: 18، 19).
لذلك، شدَّد المسيح كثيراً في تعاليمه على إرادة الإنسان: “إنْ أراد أحدٌ أن يأتي ورائي، فليُنكِر نفسه ويحمِل صليبه ويتبعني” (متى 16: 24)، “إنْ أرَدْتَ أن تدخلَ الحياة، فاحفَظ الوصايا” (متى 19: 17)، “مَن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكُن لكُم عبداً” (متى 20: 27). وفي مَثَل الدَّعوة إلى العُرس الملكي، قال عن السَّيد الدَّاعي: “وأرسَل عبيده ليدعوا المَدعوين، فلم يريدوا أن يأتوا” (متى 22: 3). وقد سأل مريض بركة بيت حِسْدا: “أتريدُ أن تبرأ؟” (يوحنا 5: 6). وختم يوحنا سفر الرُّؤيا بالدَّعوة: “من يُرِد فليأخذ ماء حياة مجاناً” (رؤيا 22: 17). هذه مُجرَّد نماذج قليلة لتشديد المسيح على إرادة الإنسان، ومسؤوليَّته حيالها.
لماذا تضعُف إرادتنا؟
طبيعة الشَّخصيَّة سببٌ أساس، فالشَّخص الاعتمادي التَّواكُلي دائماً ضعيف الإرادة. والإصابة باضطرابات نفسيَّة، خاصَّة الاكتئاب. والحياة الخاملة، وعدم مُمارسة الرِّياضة. والاستمرار والاستسلام والاستعباد للعادات، خاصَّة المُضرَّة منها. وعدم وضوح الهدف. وعدم وجود خطّة واضحة لتحقيق الأهداف. وعدم الاقتناع الكافي بالهدف. والبيئة المُفشِّلة التي لا تساعد على الابتكار والإبداع، ولا تُشجِّع على الاستمرار في النُّموِّ والتَّقدُّم. فضلاً عن وجود نماذج سيِّئة من القادة تقِف عثرة في طريق تحريك إرادتنا… الخ.
كيف تتقوَّى إرادتنا؟
مَن يريد أن يعيش الحياة المسيحيَّة بالكيفيَّة الصَّحيحة، يجب أن يكون حازماً مع نفسه، عالماً أنَّ الثَّبات في الفضائل الرُّوحيَّة أمرٌ صعب. وكلمة “التَّدريب” هي كلمة السِّرّ للانتصار في معركة الثَّبات، أي تدريب الإرادة. بذلك تُصبح الفضيلة عادة طيِّبة، ثم تتحوَّل العادة إلى طَبْعٍ جديد، ومع إرادة الاستمرار يرسخ الطَّبع الجديد في أعماق النَّفس. فماذا يعني تدريب الإرادة؟
المسيحيَّة ليست مُجرَّد معلومات دينيَّة ومُعتقدات لاهوتيَّة صحيحة، فهذه وحدها لا تكفي. فكما أنَّ أجسادنا لا تستفيد ممَّا نأكُله بل ممَّا نهضمه، هكذا الأمر روحيَّاً، لن نستفيد ممَّا نسمعه أو نقرأه، بل ممَّا نُترجمه في حياتنا ونتفاعل معه. تدريب الإرادة هو تحويل المعرفة إلى مُمارسة. في هذا ينشأ الصِّراع بين إرادتَيْن في داخلنا: إرادةٌ تُشبه البالون المُمتليء بغاز الهيليوم، الذي يطير لأعلى، وإرادةٌ تُشبه كُتلة حديد إذا تركناها ستَهوي أرضاً.
هناك من اكتشفوا ضعفهم واعترفوا به لأنفسهم، ومع ذلك استمرُّوا فيه دون أيِّ تغيير! لأنَّهم استسلموا له، ولم يُدرِّبوا أنفسهم على تركه. من هنا تأتي أهميَّة تدريب الإرادة، الدُّخول في مُواجهة ومُصارعة مع النَّفس للتَّخلِّي عن خطيَّة ما، أو للتَّحلِّي بفضيلة ما. هناك صعوبة في البداية، لكنَّها مَرحليَّة، لأنَّ عمليَّة تدريب الإرادة عمليَّة تدريجيَّة. فلا توجد طُرق مُختَصرة للسَّير والنُّموّ في الحياة المسيحيَّة، واقتناء فضائلها الروحيَّة.
إرادة السُّوء أمْ سوء الإرادة؟
ليست الخطيَّة في إرادة السُّوء، بقدر ما هي في سوء الإرادة. فالخطيَّة لا تنحصر في مُجرد إرادة الشَّر، بل في الإرادة الشِّريرة. هناك أفعالاً سيئة نفعلها، تصدر عن إرادة صالحة، وهناك أفعالاً صالحة تصدر عن إرادة سيِّئة. إنَّ خطيَّة الخطايا وأُمُّ الخطايا هي سوء الإرادة، أكثر مِن مجرَّد إرادة السُّوء. أليس هذا ما وقع فيه الإنسان الأول، إذْ أساء استخدام الإرادة الحرَّة التي منحه الله إيَّاها. فخطيَّته ليست في أنَّه أراد سوءاً، بل أنَّه أساء استخدام الإرادة الحرَّة التي مُنِحَت له.
لنأخذ نماذج لتدريب الإرادة من عظماء في الإيمان: موسى النَّبي، الذي كان حليماً أكثر من جميع الناس، هل وُلِدَ حليماً؟ كلاَّ، لقد بدأ حياته عنيفاً قاسياً، حتى قتل مِصريَّاً. لكن الله أخذه إلى البرية ودرَّبه مُدَّة أربعين سنة على الرِّعاية واللطف والهدوء، حتى وصل إلى ما وصل إليه. يوحنا الحبيب، الذي عُرف برقَّته وتشديده على المحبَّة، هل بدأ حياته هكذا؟ كلاَّ، بدأ مع يعقوب أخيه تلميذَيْن ليوحنا المعمدان، الذي عُرف بعُنْفه وشدَّته وتَشدُّده، حتى أطلق عليهما يسوع لقب “بوانرجس” أي ابنيّ الرَّعد، وكانا قد عرضا عليه مرَّةً أن يطلُبا ناراً تنزل من السَّماء على أهل السَّامرة، لأنَّهم لم يقبلوا المسيح. لكن المسيح درَّب يوحنا على المحبَّة والهدوء، حتى تحوَّل إلى شُعلةِ حُبٍّ ولُطفٍ. وغير هؤلاء، هناك نماذج كثيرة لتدريب الإرادة.
مَن يريد أن يحيا الحياة المسيحيَّة الحقيقيَّة، عليه أن يُدرِّب حواسه الإيمانيَّة على التَّمييز، ويُدرِّب حياته على قيادة النِّعمة الإلهيَّة، ويُدرِّب إرادته على اختيار وفعل الصَّواب. ويُدرِّب عقله على التَّفكير الموضوعي، ويُدرِّب قلبه على الشُّعور والإحساس الرُّوحي، ويُدرِّب لسانه على قول الكلام المُفيد الذي يبني، ويُدرِّب وقته على الحضور والمُثول أمام الرَّبِّ مع شعبه، ويُدرِّب ماله على المُشاركة المُناسِبة في عمل الرَّبِّ، ويُدرِّب علاقاته على هَدم السُّدود وبناء الجسور. إنَّ حياته دائماً هي حياة تدريب الإرادة. ومع تكرار التَّدريب على الفضائل، تُصبح الفضيلة عادة، وتتحوَّل العادة إلى طَبْع، فيرسخ الطَّبع في أعماق النَّفس، فتنمو وتتقدَّم الحياة المسيحية.
لتكُن إرادتي كما تشاء بَيْن يديك
وليكُن قلبي لك العرش المُريح
وليكُن حبي سكيبَ الطِّيب عند قدمَيْك
ولتكُن نفسي دوامًا للمسيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.