تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » هل يعيّد الانجيليون عيد السيدة؟

هل يعيّد الانجيليون عيد السيدة؟

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 
تتشكّل نظرة الانجيليين الى مريم العذراء من عاملين أساسيين: العامل الكتابي، والعامل التاريخي . بالنسبة للعامل الكتابي: فالانجيليون وانطلاقا من مبدأ الكتاب المقدس وحده، هو المصدر الوحيد للعقيدة والحياة، يتمسكون بما يورده الكتاب المقدس عن مريم العذراء. أما العامل التاريخي، فهو زمن الاصلاح الانجيلي في القرن السادس عشر، اذ احتج المصلحون الانجيليون على المبالغة في النظرة الى مريم، التي أخرجتها عن الاطار الطبيعي الذي يعلنه الانجيل، وحجبت مريم العذراء الأنظار عن الرب يسوع المسيح، رئيس ايماننا ومكمله. الا أنه بالرغم من انتقاد المصلحين لتلك الممارسات المبالغة التي سادت حول مريم آنذاك ، فقد حافظوا على النظرة الكتابية في تكريم مريم العذراء في روحانيتهم ووعظهم وتأملاتهم. فالمصلحون الرئيسيون الثلاثة مارتن لوثر ،جان كلفن، وأولترخ زوينكلي، كرّم كل بدوره مريم العذراء كما يسمح الانجيل بتكريمها. في تفسير قول الملاك لمريم:«سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». ومديح اليصابات لمريم:«مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ (لوقا5: 28 و42 و43) قال المصلح جان كلفن: ” لا نستطيع أن نفرح بالنعمة المعطاة لنا في المسيح، دون أن نتذكر في الوقت عينه سمو الاكرام الذي منحه الله لمريم حين اختارها لتكون أما لابنه الوحيد وحين كلّمها الملاك بالكلام الذي قالته لها اليصابات”. أيضا أضاف كلفن: “لا يمكن أن ننكر بأن الله باختيار مريم لتكون أم ابنها، قد منحها الشرف الأعظم. أما مارتن لوثر فقال بأن “اليصابات استخدمت كلمات رائعة لم تسمعها امراة في الكون، فمريم هي اكثر من امبراطورة او ملكة ، هي اعظم من حواء وسارة …ولا نستطيع تكريمها كفاية، فتكريمها محفور في أعماق قلب الانسان. وعلى المسيحي أن يدرك حقيقتها ويحترمها “.أما المصلح زوينكلي فقال:” كلما أحببنا واحترمنا المسيح اكثر، فاننا نقدّر ونحترم مريم العذراء أكثر فاكثر، لانها حملت لنا المخلص في أحشائها”. ان نظرة الانجيليين الى مريم العذراء انسجمت مع مضمون الكتاب المقدس، فهي لم تحجب المسيح، ولم تقلل من سيادته المطلقة على الحياة، بل كما قالت للخدام في عرس قانا “مهما قال لكم فافعلوه” (يوحنا 2: 5).
قال اللاهوتي الانجيلي المعاصر كارل بارت : “عندما بشّر الملاك جبرائيل مريم العذراء، كان هناك كلمة مدح وكلمة تحذير . فقد مدح الملاك أهمية اختيار نعمة الله لها، مما يدل على انها أعظم من كل الشخصيات أعظم ، من ابراهيم وموسى وداود ويوحنا المعمدان ، فهي دون أي شك، الشخصية المميزة في الكتاب المقدس. لكن هناك ايضا كلمة تحذير، لاننا سنسيء فهم حقيقة ودور مريم اذا ما بقينا في المدح. وكلمة التحذير لنا، هي أن نتذكّر أن مريم احتاجت لنعمة الله. فالله يأتي اليها ليكون معها ويجعلها مميزة . وبالتالي، فميزتها ليست من ذاتها، بل لأن الله أنعم عليها وميّزها وباركها، لانها سمعت صوته وقبلت دعوته لتكون أداة لتجسد ابنه يسوع.يلتقي الإنجيليون مع الكنائس الأخرى الشقيقة في بعض الأمور التي ذكرناها، حول مريم العذراء، ويختلفون معهم في عقيدتين أساسيتين، هما:
1-عقيدة الحَبَل بِلا دَنَس، التي أعْلَنها سنة 1854م البابا “بيوس” التاسع. وتفيد بأنَّ العذراء حُفْظَت مِن تلوُّث الخطيئة الأصلية مُنْذُ اللحظة الأولى للحَبَلِ بِها، بواسطة امْتياز فريد مِن الله. وهي عقيدة موحاة بِها مِن الله، كما أعلن البابا. إلاَّ أنَّ الإنْجيليِّين، وبما أن الكتاب المقدس الذي له السُّلطة العُلْيا، والمَصْدر الوحيد للعقيدة، وبما أنَّ هذه العقيدة لا تَذْكُرها الأناجيل، فهُم لا يقبلون بها.
2- عيد السيدة أو عقيدة انْتِقال مريم العَذراء إلى السَّماء بالجَسَد والنَّفْس، والتي أعلنها البابا “بيوس” الثاني عام 1950م. وتفيد بأنَّ العذراء وبَعْد حياتها على الأرض انْتَقَلَت بالجَسَد والنَّفْس إلى مَجْد السَّماء. إلاَّ أنَّ موقِف الإنْجيليِّين مِن هذه العقيدة هو الموقف نَفْسه، مِن عقيدة الحَبَل بِلا دَنَس، لأنّ لا أساس لها في الكتاب المقدس.
مما لا شك فيه ، يعتبر الانجيليون، أن القديسة مريم العذراء، هي مثال لكل انسان مسيحي، يريد أن يكون تلميذا حقيقيا للمسيح. فهي في عرس قانا قالت للخدّام “كل ما يقوله لكم المسيح افعلوه”. ومن الأقوال الجميلة التي سمعتها عن مريم، والتي تدعونا للتمثل بايمانها وطاعتها وقداستها، أن الرب يسوع المسيح لم يولد فقط من رحم مريم العذراء، لكنه ولد أيضا من ايمانها وطاعتها وقداستها. فدعونا نتعلم من القديسة مريم العذراء الايمان، بالخضوع لارادة الله ، نتعلم من مريم أن نقدّم المسيح للعالم، في صلواتنا وأفكارنا وتصرفاتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.