تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » السيدة موزيكا: المصلح مارتن لوثر

السيدة موزيكا: المصلح مارتن لوثر

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى
“السيدة موزيكا”: المصلح مارتن لوثر
عُرِفَ المصلح مارتن لوثر بارتباط اسمه بالكتاب المقدس، لكنه نادرًا ما عُرِفَ بارتباطه بالموسيقى. كانت الموسيقى جزءًا جوهريًا من حياة لوثر منذ نعومة أظافره. نظر الى الموسيقى على أنها عطية مميّزة من الخليقة التي أوجدها الله. لشدة اهتمامه بالموسيقى والترانيم والألحان الروحية، أطلق عليه لقب”عندليب الاصلاح”. نظر الى الموسيقى وكأنها شخص بشري، سمّاه، “السيدة موزيكا”. جعلها تنطق لتعبّر عن طبيعتها ورسالتها، فنطقت قائلة: “أنا الفرح الأعظم على الأرض ، وقد فضّلني الله عن باقي أفراح العالم، لأني أجعل القلب هادئًا وأمنح الانسان مزاجًا جيّدًا، فيصير مستعدًا للإصغاء للحكمة الإلهية”. اعتقد لوثر أن الموسيقى هي لغة الروح البشرية، لأنها تحرّك القلوب البشرية وتحثّ الناس لرفع عيونهم الى المساء لتسبيح الله. وصف الموسيقى على أنها، “الانسكاب الطبيعي لحمدنا لله، اذ عندما نختبر الايمان، يجعلنا الاختبار فرحين، ويحثّنا على الترنيم لله”.
آمن لوثر أن الله منح عطية الموسيقى للإنسان فقط، من بين كل مخلوقاته، كيما يستخدمها في تقديم الحمد والتسبيح له”. اعتقد أن الموسيقى تتمتع بعلاقة مميّزة مع خالقها. قال: “كرز الله بالانجيل من خلال الموسيقى”. وأضاف: “أريد أن أرى كل الفنون، لا سيّما، فن الموسيقى في خدمة ذاك الذي خلقهم”. صنّفها في المرتبة الثانية في الأهمية بعد كلمة الله. وأعطاها المكانة الثانية بعد مكانة اللاهوت”. اعتبر أن الموسيقى فقط، تستطيع أن تقدّم ما يقدّمه اللاهوت، أي تأمين الأجواء الهادئة والمناسبة للإصغاء لكلمة الله”.
في العام 1530، وصف لوثر تأثير الموسيقى على الانسان، فقال: ” الموسيقى تطرد الشياطين وتجعل الناس سعداء. الموسيقى: تبني الانسان، تعزّي النفوس الحزينة، تداوي القلوب الجريحة، تخفف من أحمال المتألمين. الموسيقى تهذّب النفس، وتساعد الانسان على نسيان الغضب والشهوة والكبرياء والرذائل الأخرى”. دعا الناس الى التمتّع بالموسيقى قائلا لهم: “الذي يأتي الى الموسيقى يخرج من ذاته ومن عالمه، ويدخل عالمها المريح. اني فعلاً أرغب بأن يحب ويقدّر جميع المسيحيين عطية الموسيقى الرائعة والثمينة. فالموسيقى كنز ثمين أهداه الله للإنسان. ولا أستطيع أن أصف بكلماتي المحدّدة مدى الغنى الذي تمنحه الموسيقى النفس البشرية”.عبّر لوثر عن مدى قوة تأثيرالموسيقى في حياته من خلال تحفيزه على الوعظ بالانجيل، قائلاً: “إن الموسيقى غالبًا ما حرّكت عاطفتي فشعرت بالرغبة لأعلن كلمة الله”. اعتقد لوثر، أن اللحن الموسيقي من خلال الانجيل المرنَّم، له تأثير أقوى على الناس، من النّص المقروء الجامد. فالموسيقى تحيي النّص الكتابي، فتدخل مباشرة الى النفس البشرية ومعها تدخل حقائق الكتاب المقدّس .
ان محبة لوثر للموسيقى والترانيم، كان له أثرا كبيرا على الكنيسة والمجتمع الألماني، اذ نشأت حضارة موسيقية لوثرية مميّزة. دعا الشباب والأولاد الى أن يختبروا، كيف أن قيمة الموسيقى تكمن في مساهمتها في سمو الروح الإنسانية. دعا قادة الكنيسة الى تعليم جمهور وأعضاء الكنائس الموسيقى، فدخل الترنيم والموسيقى الى المسارح والمدارس، وتحولت الكنائس والابرشيات الى معاهد موسيقية، لتعليم فن الغناء وقراءة النوتات. وصارت الموسيقى مادة أساسية في المناهج، اذ صار يعلّم أربع حصص موسيقى في المدارس أسبوعيا.
صنّف مؤرخون، القرنين السادس والسابع عشر،على أنهما حقبة الموسيقى البروتستانتية بامتياز. قال لوثر، ” الموسيقى تخلق لك أنصارا وأصدقاءا ليس فقط مع معاصريك، لكن صداقاتها مع الناس، تتجاوز حدود الأزمنة والأوقات”. من أهم المناصرين والمتأثرين بفلسفة لوثر الموسيقية، المؤلف العالمي الألماني المشهور “يوهان سيباستيان باخ”. ان كل المواهب الموسيقية لعائلة باخ، ابتدأ من هانس باخ في العام 1550، أي بعد موت لوثر بأربع سنوات، اذ مات عام 1546، وحتى بروز الملحن العالمي سيباستيان باخ (1735-1782) ، ترجع الى تأثير مارتن لوثر ان كان روحيا أو موسيقيا. كان باخ مؤمنا لوثريا متجذّرا في الكتاب المقدس وغيورا على ايمانه بالمسيح. أراد ايصال حقائق الكتاب المقدس الى الناس، من خلال موسيقاه الساحرة، التي لم تخسر من سحرها وجمالها حتى يومنا هذا. ليس هناك مؤلفًا موسيقيًا عالميًا استخدم كلمة الله في الموسيقى مثل سيباستيان باخ. تضمّنت سيمفونياته الرائعة نصوصا من الكتاب المقدس، ومن مبادىء الاصلاح الانجيلي، وكان يكتب في نهايتها عبارة: “المجد لله وحده” Soli Deo Gloria.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.