تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ثقافة الاختزال وصراع الأجيال

ثقافة الاختزال وصراع الأجيال

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

في الواقع إن حقيقة صراع الأجيال ليست فكرة جديدة لكنها قديمة قدم المجتمعات، حيث أنها مرتبطة بوجود الانسان وتفاعله مع مجتمعه في كل العصور والأزمان، وكما نعلم يكون هذا الصراع بين الأجيال المختلفة بسبب اختلاف العادات والتقاليد، والممارسات، والمعتقدات، والصراع بين الموروث أو القديم وكل ما هو حديث.

وهذه الحقيقة يصارع معها أيضًا كاتب سفر الجامعة في القديم قائلًا: “إن وُجد شيء يُقال عنه: انظر هذا جديد! فهو منذ زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا، ليس ذكر للأولين، والآخرون أيضًا الذين سيكونون لا يكون لهم ذكر عند الذين يكونون بعدهم.” (جامعة 1 : 10 – 11).

وهنا يُستَخلًص أن النظرة إلى الحياة من خلال تعاقب الأجيال هى دورة غير منتهية من النشاط والفعالية بغض النظر عن اختلاف شكل الأنشطة في كل جيل عن ما قبله وما بعده.

لكن في الحقيقة كم يزداد هذا الصراع- وتزداد معه الفجوة أيضًا بين الأجيال-  ليصل إلى أوجه في هذه الأيام في ظل ثقافة الاختزال، حيث أن الأجيال الجديدة التي نشأت في عصر التكنولوجيا لا تستطيع أن ترى التأثير السيء للاختزال الذي تفرضه طبيعة الحياة في أجيالهم لأنهم لم يروا غيره، لكن الأجيال التي سبقتهم هى التي  تستطيع أن ترى ذلك الفارق الكبير بين الجيلين، وهكذا تعاني من تلك الفجوة حيث أنها بعكس الأجيال الحديثة فقد رأت وعاشت حياة أكثر هدوئًا، وأقل تكلّفًا، وأسهل وأبسط معيشةً، وهى أيضًا الآن تراقب وترى حالة الاختزال التي تعيشها الاجيال الجديدة، بل وتعيشها معهم محاولة التأقلم واللحاق بركاب الحياة معهم.

لكن قد يتسائل أحد ما قائلًا: أين نرى هذا النوع من الاختزال؟  والإجابة هى أننا نستطيع أن نرى ثقافة الاختزال في كل جوانب الحياة، فعلى سبيل المثال قد تم الاختزال في العلاقات، فلم يعد هناك وقت للمجاملات وللزيارات الطويلة بين الأصدقاء، والجيران، والأهل والأقارب، فقد تم اختزالها إلى مكالمات تليفونية أو رسائل سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأيضًا الفسحات الأسرية في الحدائق والمنتزهات والتي لها بالغ الأثر على أفراد الأسرة والأطفال، حيث تتيح الوقت الكافي للعب والتلاقي وقضاء الوقت معًا، فقد تم اختزالها واستبدالها بالعالم الافتراضي على الانترنت. أيضًا حتى القراءة والبحث الجاد تم اختزاله ببعض المعلومات السريعة على جوجل وبعض المواقع الالكترونية، وقد تم أيضًا اختزال الاجتماعات الفعلية المباشرة والاكتفاء بجروبات ومجموعات على وسائل التواصل- وان كان ذلك ليس عيبًا لكنه لا يغنى عن الحضور الفعلي والتواصل المباشر- وهكذا الاختزال طال كل شيء حتى العبادة، والصلوات، والحياة الروحية، وهكذا أيضًا لا تستغرب عندما تسمع عن اختزال الانسان بالكامل واستبداله بانسان آلي يقوم بمهام الانسان الطبيعي ، فأصبح الاختزال سمة واضحة وأساسية من سمات عصرنا الحالي، وفي الحقيقة هذا ليس إنكارًا أو إجحافًا للتكنولوجيا ودورها وتأثيرها في تسهيل الحياة وجعلها أكثر سرعة وسهولة، حيث أصبح العالم بالفعل قرية واحدة، ولا نبالغ إن قلنا شارع واحد، وهذا ما ساهم أيضًا بقوة وسرعة في انتشار الوباء الحالي بين دول العالم كانتشار النار في الهشيم، مع العلم أنه لو ظهر في عصور سابقة قبل العولمة والتقدم التكنولوجي وسرعة وسهولة السفر والانتقال لما انتشر بهذه السرعة مثلما كان الوضع مع نظيره من الأوبئة السابقة كالطاعون وغيره حيث كان متمركزًا في مكان واحد.

لذلك يجب أن نقر بذلك وأن نقبل هذا الاختلاف، وأن نسعى دائمًا إلى أن نطور أنفسنا، وأن نواكب كل ما هو جديد، مستفيدين من مزاياه وإيجابياته، ومتجنبين عيوبه وسلبياته على حياتنا، وهنا نقف لنخلع القبعة لكل من يتفهم هذا الاختلاف، ويتقبل الجديد، ولم يسخط على الحياة وعلى الأجيال الجديدة ناعتًا إياهم بأصعب الكلمات، بل يسعى دائمًا لمواكبة الحياة والاستمتاع بها معهم، متفهمًا أن هذه هى طبيعة الحياة والتي هم أيضًا سيعيدون نفس المشهد مع الأجيال الأحدث بعدهم، وأيضًا أن نقدر من يتفهمون ذلك من الأجيال الحديثة ويتقبلون أيضًا اختلافهم عن سابقيهم، بل يحترمونهم ويقدرونهم، ولم ينعتونهم أيضًا بكلمات غير لائقة، عالمين أيضًا أن نفس العجلة ستدور يومًا ما لتجعلهم أيضًا في نفس الموقف.

 وهكذا تتواتر الأجيال، ويبقى المهم أن نتبنى النظرة الإيجابية في كل الامور، ففي موضوعنا هذا موضوع الاختزال على سبيل المثال فقد نأخذ الوجه الإيجابي للاختزال من حيث السهولة والسرعة وتوفير الجهد والوقت، لكن في نفس الوقت نتحذر من سلبياته على العلاقات، والاجتماعات، والحياة الروحية والعملية.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.