تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » سمات التعبُّد المقبول

سمات التعبُّد المقبول

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

سمات التعبُّد المقبول

(أعمال 16 : 11 – 15)

ما أعظم أن يوصف شخص ما بأنه متعبد لله، وما أجمل ان يكون توجهه هو عبادة الله، فما أروع العبارة الشهيرة التي نطق بها يشوع في القديم قائلًا: “أما أنا وبيتي فنعبد الرب” (يش 24 : 15) وكأنه يعلن أمام الجميع إطاعته للوصية الكتابية: “الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف” (تثنية 6 : 13)، وأيضًا نطق السيد بكلمات عظيمة من المكتوب عن التعبد والسجود للرب وحده قائلًا:  “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (لوقا 4 : 8) تلك العبارة التي أشهرها في وجه إبليس الماكر وقت التجربة.

وهنا يصف الكتاب المقدس ليدية بياعة الأرجوان من مدينة ثياتيرا بأنها كانت “متعبدة لله” لأنها كانت قد اهتدت إلى اليهودية حديثًا هروبًا من العبادات الوثنية المنتشرة بين الأمم في ذلك الوقت وما كان يرتبط بها من خلاعة وعهر، فلقد وجدت في اليهودية هى وباقي النساء اللاتي كن يجتمعن لعبادة الرب كل سبت عبادة تقوية محافظة للإله الواحد، هذا  بجانب تجارتها وعملها كبياعة للأرجوان الذي هو في ذلك الوقت كان يُصنع منه ملابس الملوك والأغنياء.

ويدعونا الكتاب المقدس دعوة صريحة لنعبد الله بفرح وابتهاج “اعبدوا الرب بفرحٍ ادخلوا إلى حضرته بترنم” (مزمور 100 : 2)

  • ومن خلال هذا الجزء (أعمال 16 : 11 – 15) نستطيع أن نستخلص بعض سمات التعبد الحقيقي لله:

أولًا: المواظبة على الاجتماعات الروحية

“وفي يوم السبت خرجنا إلى خارج المدينة عند نهر، حيث جرت العادة أن تكون صلاة.” (أعمال 16 : 13).

إن الحرص على التواجد في أماكن العبادة والمواظبة على حضور الاجتماعات الروحية من أهم سمات التعبد الحقيقي، وهنا نلاحظ شقين هامين في العبادة وهما: الزمان والمكان، فالتوقيت كان كل سبت حيث جرت العادة أن تكون صلاة، وكم يكون تخصيص وتكريس أوقاتًا معينة للعبادة أمر في غاية الأهمية.

وأيضًا المكان كان عند النهر حيث لم يكن عدد عائلات اليهود المطلوب لبناء مجمع في تلك المدينة آنذاك قد اكتمل، حيث أنه بحسب التقاليد والقوانين المتبعة لابد من وجود 10 عائلات على الأقل لكي يُصرح لهم ببناء مجمع، لذلك كانوا يجتمعون عند النهر، لذلك فالتواجد في أماكن العبادة أمر في غاية الأهمية أيضًا “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب” (مزمور 122 : 1).

ولقد كان التلاميذ في بداية الكنيسة الأولى “كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة” (أعمال 2 : 46).

ويوصينا الكتاب أيضًا: “غير تاركين اجتماعنا كما لقوم عادة بل واعظين بعضنا بعضًا، وبالأكثر على قدر ما ترون اليوم يقرب” (عبرانيين 10 : 25).

ثانيًا: الاستماع والإصغاء إلى كلمة الرب

“فجلسنا وكنا نكلم النساء اللواتي اجتمعن، فكانت تسمع امرأة اسمها ليدية بياعة أرجوان من مدينة ثياتيرا، متعبدة لله، ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقوله بولس”  (أعمال 16 : 13 – 14).

حيث أنه من سمات التعبد لله أيضًا الإصغاء إلى كلمة الرب من خلال الوعظ، وكلمة “تسمع” هنا في أصلها (ekouen) تعني أنها كانت منتبهة وهى ترفع رأسها لتصغي باهتمام لكلمة الرب، وفي الحقيقة هذا الوضع الصحيح الذي يليق بكلمة الرب، فيجب أن نستمع إليها في خشوع واحترام، وأيضًا باهتمام وأذهان حاضرة لا في تهاون واستهتار وأذهان مشتتة.

وهنا تأتي أهمية الوعظ الكتابي حيث ينبر “كالفن” أيضًا على أهمية هذا الأمر فيقول فيما معناه: حيثما يتم الوعظ بالكلمة هناك تكون جماعة الرب” ويقول الكتاب المقدس عن أهل بيرية: “وكان هؤلاء أشرف من الذين في تسالونيكي فقبلوا الكلمة بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم هل هذه الأمور هكذا” (أعمال 17 : 11).

لذلك فهناك أهمبة كبيرة للوعظ والتعليم بكلمة الرب “لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته” (عبرانيين 4 : 12).

 ولقد كانت رسالة السيد المسيح تحتوي على شقين التعليم والشفاء، فكان يعظ، ويعلم، ويكرز، وأيضًا كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. لذلك فعلى الخادم أو الراعي أن يعكف على الوعظ والتعليم، وعلى كل عابد متعبد أن يستمع ويصغي باهتمام للكلمة المقدسة، أما دور الروح القدس فهو أن يفتح القلب وينير الذهن فتأتي الكلمة بالثمار المرجوة كما حذث مع ليدية فلأنها كانت حريصة على التواجد في مكان العبادة، فأثناء استماعها للكلمة فتح الرب قلبها.

فهل نستمع ونصغي باهتمام لكلمة الله أثناء الوعظ؟ ونطلب من الله أن يساعدنا لنطبقها على حياتنا ونحياها؟ فنكون بذلك سامعين عاملين بالكلمة،أم أننا نترك الفرصة لابليس أن يخطف الكلمة، ويقسي قلوبنا فلا تأتي بثمر؟

ثالثًا: الإشهار والإعتراف العلني بالإيمان المسيحي

“فلما اعتمدت هى وأهل بيتها..” (أعمال 16 : 15)

فبعدما فتح الرب قلب ليدية، وقبلت الإيمان، وتحولت إلى متعبدة حقيقية لله، فإنها أعلنت وأشهرت إيمانها أمام الجميع من خلال المعمودية، ولقد عبرت ليدية عن فرحتها بالخلاص فبعد معموديتها وإعلان إيمانها أمام الجميع طلبت منهم بروح الشركة أن يدخلوا بيتها.

ويبدو أن بولس كان يعلم عن أهمية المعمودية كفريضة مسيحية إطاعة لوصية السيد “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28 : 18)، وأيضًا عن أهميتها كختم البر الذي بالإيمان في نور العهد الجديد بدلًا من الختان كعلامة للعهد بحسب العهد القديم “لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا قد اعتمدنا إلى جسد واحد يهودًا كنا أم يونانيين عبيدًا أم أحرار وجميعنا سقينا روحًا واحدًا” (1كورنثوس 12 : 13)، وايضًا “من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدن” (مرقس 16 : 16).

وبما أن كلا العلامتين الختان في العهد القديم والمعمودية في العهد الجديد كانتا تشمل الأولاد داخل الاسرة أيضًا، فإن ليدية اعتمدت هى وأهل بيتها، وهكذا سجان فيلبي “اعتمد في الحال هو والذين له أجمعون” (أعمال 16 : 23).

لذلك فهل نعلن إيماننا أمام الجميع ولا نخجل منه أم العكس؟ فإذا كانت المعمودية قد أدخلتنا دائرة الإيمان والاعتراف المسيحي، فيجب علينا بعد ذلك أن نعلن إيماننا بالقول والفعل، وأن نذيع كلمة الرب للجميع، وأن لا نضع سراجنا تحت المكيال بل على المنارة كما قال السيد ليضيء للجميع.

خاتمة:

إن التعبد الحقيقي لله هو التعبد الذي يسره ويشبع قلبه، وأيضًا هو الذي يترك تأثيرًا إيجابيًا في النفس وفي الآخرين أيضًا، وكلما كان اتجاه قلبنا صحيحًا وكلما تواجدنا بانتظام في أماكن العبادة وواظبنا على حضور الاجتماعات الروحية، وكلما زاد تقديرنا لكلمة الله فنصغي لها باهتمام، وكلما اجتهدنا في أن نعلن ونشهر إيماننا للآخرين بحياتنا وسلوكنا وأقوالنا فكلما كنا متعبدين مؤثرين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.