تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » متى تتظاهر بالجنون؟

متى تتظاهر بالجنون؟

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

قرأتُ عن “الحسن بن الهيثم” مؤسس علم البصريات أنه تم استدعائه إلى مصر من قِبَل الحاكم بأمر الله الفاطمي لمهمة رسمية هندسية بخصوص نهر النيل، ولما جاء قضى قرابة الشهرين في الفحص والتصميم، وأخيرا لم يجد الأمر متفقا مع الفكرة الهندسية التي خطرت عليه، فأدرك وتحقق أنه لن يستطيع عمل شيء. فرجع للحاكم بخيبة وخجل، فعذره الحاكم، لكن خوف ابن الهيثم من احتمالية تغير موقف الحاكم معه، دفعه إلى أن يُغير عقله ويتظاهر بالجنون حتى عزله الحاكم من منصبه، وصادر أمواله، وعيّن عليه من يقوم بخدمته، وبذلك تخلص من خوفه من غضب الحاكم حتى تحقق من وفاة الحاكم عام ١٠٢٠م.

 

وهذه القصة ذكّرتني بقصة مشابهة في الكتاب المقدس، والذي فيه يسرد لنا الوحي المقدس سير الأنبياء ورجال الله في مختلف المواقف، ليست فقط المواقف التي تعكس عظمتهم ومجدهم، بل أيضا تلك التي تعكس وتُظهِر ضعفهم وخزيهم، لأنهم في النهاية بشر مثلنا، وإن كنا مدعوون أن ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بإيمانهم كما قال الكتاب، إلا أنه ليس كامل إلا الكامل وحده، فهذه القصة هى قصة داود النبي عندما هرب من وجه شاول وجاء إلى أخيش ملك جتّ، فخاف داود جدا على حياته عندما سمع عبيد الملك يقولون له: “أليس هذا داود ملك الأرض؟ أليس لهذا كنّ يُغنين في الرقص قائلات: ضرب شاول ألوفه وداود ربواته؟ فوضع داود هذا الكلام في قلبه وخاف جدا من أخيش ملك جت، “فَغَيَّرَ عَقْلَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَتَظَاهَرَ بِالْجُنُونِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَخَذَ يُخَرْبِشُ عَلَى مَصَارِيعِ الْبَابِ وَيُسِيلُ رِيقَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ.” (١صمو ٢١ : ١٠ – ١٣)، وهكذا كانت النتيجة أن الملك أخيش أطلقه قائلًا: ألعلي محتاج إلى مجانين؟!

وهنا نستطيع أن نستخلص بعض الدروس المفيدة لحياتنا، أولها كيف نتصرف في المآزق، ومواقف الحياة الصعبة، والتي قد تودي بحياتنا، هل نفقد الثقة بالله الذي يستطيع أن يُخلّص ويُنجّي بطرق تفوق توقعاتنا فيحوّل تلك المآزق لخيرنا؟ أم أننا نلجأ إلى الكذب والزيف للخروج من المآزق والمواقف المختلفة، فنتظاهر بحالة مغايرة لحالتنا الطبيعية الحقيقية،

فداود هنا تظاهر بالجنون، وهناك من يتظاهر بالحكمة والمعرفة وهو لا يملك الحكمة ولا المعرفة، وهناك من يتظاهر بالقوة وهو ضعيف، وهناك من يتظاهر بالغنى سواء المادي أو المعنوي لكنه في الواقع فقير، وهناك من يتظاهر بالتواضع وقلبه ممتليء بالكبرياء، وهناك من يتظاهر بالروحانية والقداسة والقرب من الله، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، وهناك من يتظاهر بالحب وهو يخفي الكراهية والحقد داخله، وهناك من يتظاهر ب…. وهو…. وهكذا..

لكن ما الحل؟

يقدم لنا الكتاب الحل في أن لا نتظاهر بحالة غير حالتنا الحقيقية، لسنا بحاجة إلى ذلك “فَإِنِّي أَقُولُ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي، لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَيْنَكُمْ: أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ، كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ.” (رو 12: 3)، فما أجمل الصدق مع النفس ومع الآخرين، حتى في أحرج المواقف، طالما تسعى لإرضاء الله، فلا يوجد شيء يجبرك على البقاء في وضع، أو مكان، أو علاقة لا تسمح لك بالتعبير بصدق وبحرية عن نفسك دون قيود، أو زيف، أو مزايدة لإرضاء الناس، لذلك فمن الأفضل أن يضع الإنسان مِنّا ثقته في الله، ويجعله ملجأه ومُتّكله في كل الظروف، ويجدُّ ويجتهدُ في عمله طالبًا لا إرضاء الناس بل الله الذي يُنجّي من الضيق، لذلك عزيزي كُن نفسك فقط، وأيضًا كن دائما على طبيعتك، صادقًا، ومتصالحًا مع نفسك، والله معك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.