تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الكنيسة والمظلومين

الكنيسة والمظلومين

tears, crying, tear-4551435.jpg
القس جوزيف لويس

القس/ جوزيف لويس شفيق

معيد قسم المشورة بكلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

مشاهدة العظة

خدمة مساء الأحد ٢٤ أكتوبر ٢٠٢١ بالكنيسة الإنجيلية المشيخية بعين شمس، راعي الكنيسة القس عيد صلاح

قراءة العظة

1كو6: 1-11

الكنيسة والمظلومين

نقرأ من رسالة بولس الرسول الأولي إلى أهل كورنثوس، الإصحاح السادس، بدءًا من العدد الأول حتى العدد الحادي عشر:

1أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟ 2أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟ 3أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ! 4فَإِنْ كَانَ لَكُمْ مَحَاكِمُ فِي أُمُورِ هذِهِ الْحَيَاةِ، فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ قُضَاةً! 5لِتَخْجِيلِكُمْ أَقُولُ. أَهكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ، وَلاَ وَاحِدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ؟ 6لكِنَّ الأَخَ يُحَاكِمُ الأَخَ، وَذلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ!. 7فَالآنَ فِيكُمْ عَيْبٌ مُطْلَقًا، لأَنَّ عِنْدَكُمْ مُحَاكَمَاتٍ بَعْضِكُمْ مَعَ بَعْضٍ. لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ؟ 8لكِنْ أَنْتُمْ تَظْلِمُونَ وَتَسْلُبُونَ، وَذلِكَ لِلإِخْوَةِ! 9أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، 10وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. 11وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا.

          كنيسة كورنثوس واحدة من أهم الكنائس، التي كانت تُشكل تحديًا كبيرًا في خدمة الرسول بولس. حيثُ كانت تُعاني الكنيسة من التعاليم والعادات الوثنية، التي كانت تحاول اختراق الكنيسة، وأثرت على الكنيسة، وعلاقة المؤمنين ببعضهم. مما سبب عديد من المشاكل بداخل الكنيسة. من ضمن هذه المشاكل، أن مؤمنين كنيسة كورنثوس، كانت لديهم بعض الخلافات والمشاكل بينهم البعض. وبدلاً من أن يحلوا هذه المشاكل بروح الحكمة بينهم في الكنيسة، لجأ البعض إلى المحاكم الوثنية التي في كورنثوس، ليحكموا بينهم، بدلاً من الكنيسة. لدرجة أن هذه المحاكم كانت تحكم لصالح البعض بالظلم على حساب الآخرين. لذلك سوف أتحدث إليكم في عظة بعنوان:

“الكنيسة والمظلومين”

لنفهم ما هو دور الكنيسة ومسؤوليتها في العالم في مواجهة الظلم. تحت ثلاث أفكار رئيسية:

الفكرة الأولي: الكنيسة سَتدين الظالمين

الفكرة الثانية: الكنيسة ومؤمنين ظالمين

الفكرة الثالثة: الكنيسة ترد حق المظلومين

أولاً: الكنيسة سَتدين الظالمين

          يتعجب الرسول بولس في العدد الأول، من مؤمنين كنيسة كورنثوس، كيف يكون لديهم محاكمات ونزاعات شخصية لدي بعضهم البعض، وبدلاً من أن يقوموا بحلها بداخل الكنيسة، إلا أنهم يلجئوا للظالمين، حتى يأخذوا حقوقهم. وهنا لا يرفض الرسول بولس القضاء المدني، لأنه هو نفسه قد رفع دعواه إلى قيصر. لكن الرسول بولس هنا يرفض أن نلجأ لقضاء غير عادل، لمثل هذه المحاكم الوثنية التي كانت تتسم في وقتها بالتشريعات الغير مُنصفة، في حين أنه يجب علينا أن نحل مشاكلنا فيما بيننا.

          ويوجههم الرسول بولس ويقول لهم في العدد الثاني والثالث، بأنكم لا تعلمون أن الله قد أعطى للكنيسة والمؤمنين سلطان لإدانة العالم. وهذا ما أكد عليه المسيح لتلاميذه في مت 19: 28، بأنه “مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ”. وليس فقط إدانة العالم؛ بل أيضًا الملائكة. وهنا الرسول بولس لا يقصد الإدانة بالمعني المباشر، لان حق الدينونة هو لله وحده. استخدم الرسول بولس في هذا النص كلمة “κρίνω”، والتي هي فعل تدين، والذي واحد من معانيه الكثيرة هو الفصل والتمميز. أي أن الله أعطي للكنيسة والمؤمنين، سلطان بأنهم في يوم الدينونة، سيشهدون على العالم والملائكة الساقطين، ليشهدوا ضد ظلمهم وشرورهم.

          لذلك يقول لهم الرسول بولس ويتعجب في العدد الثامن كيف تظلمون وتسلبون حق بعضكم البعض؟ وكيف تسمحون أن تحاكموا عند الظالمين؟ وأنتم الكنيسة التي سوف تدين العالم. فبدلاً أن تقف الكنيسة ضد الظلم، تُحاكم هي نفسها عند الظالمين. لذلك ماذا يحدث عندما يدين الظالمين الكنيسة؟ أولاً: ذلك يدمر وحدة الكنيسة، بأن يكون هناك نزاعات شخصية بين المؤمنين، وأطراف ظالمة، وأطراف ظالمين. فكيف تكون هذه الوحدة في جسد المسيح، وجسد المسيح يُعاني من وجود أطراف متنازعة بداخله، يكنوا لبعضهم البعض الخصومة والكراهية. ثانيًا: ذلك يُضعف الكنيسة وقوة شهادتها خارج الكنيسة بين الناس، حينما يروا أن المؤمنين لا يستطيعوا أن يحلوا مشاكلهم مع بعضهم البعض؛ بل تصل لدرجة أن يظلم أحد الآخر ويسلب حقه. في هذه الحالة لن تستطيع الكنيسة أن تشهد بقوة عن الله وتمجده بين الناس.

الكنيسة أعطاها الله سلطانًا بأنها ستدين الظالمين، وتقف ضد الظلم، لتقيم العدل. مما يجعل الكنيسة في الفكرة الثانية في تحدي مستمر ضد الظلم الذي في العالم.

ثانيًا: الكنيسة ومؤمنين ظالمين

          إن مواجهة الظلم الذي في العالم، يمُثل تحدي كبير للكنيسة اليوم. الظلم يُعتبر تحدي ليس فقط لمن هم خارج الكنيسة؛ بل أيضًا بين المؤمنين وبعضهم البعض بداخل الكنيسة. يواجه الرسول بولس المؤمنين، في العدد السابع، “لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لكِنْ أَنْتُمْ تَظْلِمُونَ وَتَسْلُبُونَ” حيث يقول لهم أنه فيكم عيب كبير، أنه لديكم نزاعات بعضكم البعض، وبدلاً من أن تتحملوا الظلم، وتتحملوا السلب، أصبحتم أنتم ظالمين وسالبين. فالرسول بولس يريد أن يوجه أنظارهم لدعوة الكنيسة على أن تتحمل الظلم؛ على أن تكون هي ظالمة! وأن نكون نموذج لما فعله المسيح في حياته الذي لم يظلم أحدًا ابدًا، لكنه تحمل الظلم من الآخرين. بالتأكيد الرسول بولس لا يحثهم على أن يظلموا بدون أن يدافعوا عن نفسهم؛ لكنه يوجههم بأن يكون لديهم المبادرة بأن يتخلوا من حقوقهم الشخصية بين بعضهم البعض، وتحمل الظلم من بعض الأخوة، على أن يكون ظالمين لبعضهم البعض. الكنيسة في تحدي مع الظلم، ألا تكون هي نفسها ظالمة، أن تتمثل بالسيد الذي لم يظلم أحدًا، وتَحمل ظلم الآخرين، على أن يكون هو ظالم.

          ويتعجب الرسول بولس في العدد الرابع، “”فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ قُضَاةً!” كيف يصل بهم الأمر بأن يجلس الغير مؤهلين والمُحتقرين من الناس، ويحكموا في الأمور بينهم. فهو يتعجب لا يوجد أي شخص بينكم لديه بعض الحكمة، للفصل في مثل هذه المنازعات الصغيرة، لدرجة أن تأتوا بأناس غير مؤمنين وسيرتهم سيئة بين الناس، ليحكموا ويتدخلوا فيما بينكم. علينا أن نسأل أنفسنا ككنيسة، كم من المرات لم تستطع الكنيسة أن تحل مشاكلها، ومشاكل أبنائها، وسمحت لدخول أطراف من خارج الكنيسة لتفصل في الأمور التي تخصها. فماذا فعلت الكنيسة مثلاً، لتحل أزمة المُطلقين؟ الذين لجأوا للقضاء ليحلوا مشاكلهم الشخصية، ويأخذوا حقوقهم، بدلاً من أن تنصفهم وتساعدهم الكنيسة.

          يجب علينا الحذر ككنيسة، أن نسمح لدخول الظلم بين جدرانها. أن تسعي لمصلحتها الشخصية، على حساب الضعفاء والمظلومين. على ألا تحل مشاكلها بروح الحكمة والوداعة. على أن تتغاضي عن مسؤوليتها تجاه المظلومين، وإنصافهم، ورد حقوقهم المسلوبة.

ثالثًا: الكنيسة ترد حق المظلومين

          يحذرنا الرسول بولس في العدد التاسع، “أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟”، لذلك على الكنيسة دور كبير في إقامة العدل في العالم، ورد حق كل مظلوم. ويقول لنا بولس في العدد الحادي العشر، أنه من بين قائمة طويلة من الخطايا والسلوكيات المرفوضة، والتي كان أناس منكم يفعلون هذا، لكنهم الآن اغتسلوا، وقد تبرروا، وتقدسوا من هذه الأعمال.

لذلك أول شيء تستطيع الكنيسة أن تفعله، كمؤمنين، بأن نتوب عن كل مرة ظلمنا فيها الآخرين. كل مرة صمتنا فيها عن قول الحق، وعلى كل موقف لم ننصف فيه مظلومًا. على كل مرة انصاعنا وراء الكسب، وتقلد المناسب والسلطة، على حساب الآخرين. على وكل المرات التي كنا فيها سلبيين تجاه الظلم الذي في العالم، ولم نتحلى بروح الشجاعة للمواجهة. علينا أن نتوب على كل مرة لم نكن فيها الصوت لكل فقير، مُعاق، مريض، ضعيف، وموصوم من المجتمع وتقاليده. أحبائي، وضع الله الكنيسة في العالم، لتقف ضد الظلم، وتدينه، لا أن تُحابيه، أو تقف مكتوفة الأيدي أمامه. فالظالمين لن يرثوا ملكوت الله! فعلينا أن نراجع أنفسنا مثل زكا، ونفكر فيمن ظلمنا؟ وفيمن سلبنا؟ ومن يحتاج أن نرد حقه المظلوم والمسلوب؟  

          ولكن إن رأينا كمؤمنين أن الظلم قد قوي علينا، ولا نستطيع فعل أي شيء تجاه، علينا أن نسلم ونخضع لإرادة الله. حيثُ “إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا.” جا5: 8. علينا أن ندرك أن الله يُلاحظ ويري كل شيء، يدين الظلم في وقته. فكم من ممالك وامبراطوريات وأشخاص ظالمين! من كان يظن أنهم سوف يسقطوا يومًا. لكن الله أوقع عليهم دينونته. فعلينا أن ندرك ككنيسة نحن مُشاركين مع الله في تحقيق إرادته، في مواجهة الظلم. أن ندرك دائمًا مكانتنا في العالم أن الكنيسة ستدين الظالمين. وأن ندرك أننا دائمًا في تحدي مع الظلم، ليس فقط في المجتمع؛ بل أيضًا بداخل جدران كنائسنا، وأخيرًا أن نرد ونساعد كل مظلوم بأن يأخذ حقه.

المراجع

Bible Works. Bible software. Version. 9.

أدي، وليم. الكنز الجليل في تفسير الإنجيل. لبنان، 1988.

باركلي، وليم. تفسير العهد الجديد. القاهرة: دار الثقافة، 1991.

خلف، غسان. الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد اليونانية. بيروت: دار النشر المعمدانية، 1979.

س.كينز، كريج. الخلفية الحضارية للكتاب المقدس. العهد الجديد، جـ2. القاهرة: دار الثقافة، 2003.

صموئيل وآخرون. دائرة المعارف الكتابية. القاهرة: دار الثقافة، 1996.

عزيز، فهيم. المدخل إلى العهد الجديد. القاهرة: دار الثقافة المسيحية، 1980.

العهد الجديد ترجمة بين السطور. بيروت، 2003.

فيربروج، فرلين د. القاموس الموسوعي للعهد الجديد. القاهرة: دار الكلمة للنشر، 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.