تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » احذر عندما تؤمن

احذر عندما تؤمن

بقلم

مينا عبدالله أنس

 

احْذَرْ عِندَما تُؤْمِن

يَبدَأُ الكاتب “سي اس لويس” في الفصول الأُولَى مِن كِتَابُ رسائل خُربُر بسَرد قصة تخيُلية. تَتَكلم عن حوار دارَ بين الشَّيطان خُربُر مُساعد رَفيع المَكانة لإبلِيسَ، وعلقم ابن أَخِيهِ شَّيطان مُبتدئ مَسؤول عن إهْلاَك شابّ. فنجدهُ يوَجة رَّسالة شَديدَة اللَهجة إلَى الشَّيطان الصغير يَقول له: لا تظن إنكَ سَتهرب مِن فَعلتكَ بلا عِقاب، فَقَدْ عَرفت إن المَريض الخاص بكَ قَد تَركنا وذهبَ لمعسكرات العَدُوَّ! وهنا يقْصد بالمَريض: الإنسانَ، وبمعسكرات العَدُوَّ: الكنيسة، وبالعَدُوَّ: الله. فَيَستكمل حديثهُ قائلًا: لكن لا تيأس عزيزي، فَكثير مِن المَرضى الَّذين تَركونا وذَهبوا لمعسكرات العَدُوَّ استطعنا استرجاعهمْ! انْتبَه لي في بعض النصائح التالية. لا تمنعهُ مِن أن يَذهب إلَى بيت الله ليُصلي بل دعهُ يَذهب، هُناك لا تُحاول أن تُقنعهُ إن إيمانه باطل؛ ولا تُحاول أن تَقول لهُ الله غير موجود، ولا تُقنعه بعدم تجسد المَسيح. فيتعجَب الشَّيطان الصغير! كُل ما أُريدك أن تَفعله هو أن تَجعلهُ يُركز علَى الآخرين. شخص خاطئ يُصلي أمامه، اجعله يتسأل: كيف هذا الإنسان يقْف ليُصلي مثلي؟ اجعله ينشغل بما يرتَديه الناس ويُنادي بالحشمة! عندما يخرج الرَّاعي عن التون المُعتاد للتَّرنيم اجعله يتَذمر ويَعترض ويَنشغل في داخله! اجعله يرى الضُّعف في كل مَن هُو موجود بِجانبه. عزيزي الشَّيطان فهذَا المَريض لا يرى سوى الكنيسة التي أمامه، ولكن الكنيسة القوية المُرهبَة التي نراها نَحنُ وتُرهبنا هُو لا يراها، فلا يراها سوى مَن دخل للعمق. ثم اصنع معه مَعروفًا ووجه نظره للخدمة حتى لا ينمو ولا يدخل للعمق مع المَسيح، وينشغل بالمكانة “القصة بتصرّف شخصي”. هذا ما يحدث معنا في كثير مِن الأوقات لكل مَن يبدأ حياة إيمانية، لكل مَن انشغل عن علاقتهُ الشخصية بالله والكلمة، لكل مَن يحيا في وَهم الخلاص، لكل مَن يقيس الإيمان بسقطات الآخرين _ احذَر عزيزي. ثلاثة تحذيرات نَستنج منها مبادئ نَسير عليها حتى لا نَقع فريسة لضَعَفاتِنا ولمملكة الظلمة، أولًا، احذَر تَشتَّت الذهن. ثانيًا، احذَر وَهم الخلاص. ثالثًا، احذَر السطحية الإيمانية.

أولًا: احْذَر تَشَتَّت الذهن.

إن مشكلة تشتَّت الذهن مِن الأمور الهامة التي ينبغي أن ينتبه لها كُل شخص في بداية حَياته الإيمانية. فيأتي الشخص مُثَقل بالحب والمشاعر الجياشة والآمال المُتعددة في الحياة مع الرَّب، بهدف إرضاءه وتَحقيق الهدف الذي مِن أجله خُلق. لكن بمجرد أن يدخل لبداية الحياة المسيحية يَلتفت إلَى أمور كثيرة تَشغل ذهنه عن هذا الهدف. والمعضلة الأكثر صعوبة والأجدر اهتمامًا بحديثنا هي إن هذا الشخص لا يُدرك انه مُشتَّت الذهن! بل يظن في داخله إن هذا ما يجب أن يكون. فعندما ننظر للقصة المَذكورة نرى إن الشاب بعد إيمانه وحضوره وسط جماعة المؤمنين، ينظر إلَى أمور مِن وجهة نظره تَبدو هي ضرورية للإيمان ومِن اختصاصه. مثل الآخرين: فأصبح يُفكر في البقال في الصف الأمامي والذي شاهده خارج الكنيسة وتذكر كيف إن هذا الرجل يرتكب الخطية والإثم، وكيف انه داخل الكنيسة يَتعبد ويُصلي مثله. هنا يتحول نظره مَن علَى الهدف الأساسي العلاقة مع الرب إلَى مُمارسة النَّقد والإدانة بطريقة غير صحيحة. فكما ذكرت مجلة علم النفس التجريبي بأن Mind wandering تشتَّت الذهن: هو الأفكار التي لا تبقى في موضوع واحد يستحق الانتباه لفترة طويلة، ويدخل في دائرة الصراع الذهني ضد متناقضات الضعف البشري. أيضًا التركيز في بداية حياتنا الإيمانية علَى الأخطاء الشكلية التي تبدو في الممارسات والعبادة، فعندما ننضج وننمو سَنتيقن إن مثل هذه الأمور طبيعية ولا تؤثر علَى صدق العبادة. فعندما خرج الرَّاعي أو المُرنم عن التون العام للترنيمة، وحدث بعض النشازٌ تبدأ عملية التحليل التي تُشتَّت ذهننا عن الاستمتاع بالرَّب أو تقديم العبادة اللائقة لله. فقال الأب متى المسكين: “المسيح لن يُحاسبك علَى الهزات الناقصة في اللحن، ولكن سيُحاسبك علَى المحبة الناقصة”. فلكي ننمو في العلاقة مع المسيح نحتاج أن ننمو في المحبة مِن ناحية الآخر ومِن ناحية المسيح، وكل ما يُشتَّت ذهني عن هذا الأمر يُخرجني عن الهدف الأسمى. فعندما نبدأ حياتنا الجديدة مع المسيح ينبغي علينا أن نُركز علَى أنفسنا وعلاقتنا بالله، ومِن خلال الامتلاء والتعليم سنعرف كيف نُقدم نَّقد بَنَّاء للأخرين! كيف نُعالج بعض الأخطاء الشكلية في العبادة بدون إدانة! سنعرف كيف نتقبل ضعفات الآخرين! ونفهم انه دائمًا هناك أمل في تغييرهم، ودورنا ليس الإدانة ولكن الصلاة لأجلهم وتقبلهم والنمو معهم.

2_ احْذَر وَهم الخلاص.

إن رغبة إبليس هي أن يفقدنا خلاصنا، فالثقة التي يتكلم بها إبليس تُشير إلَى أن دائمًا لدية خطة وهدف فيقول علَى لسان الكاتب: كثيرًا ممَن ذهبوا إلَى الله استطعنا أن نَستعيدهم مرة أخرى. هنا أذكر طريقتين تَجعلنا نبتعد عن خلاصنا أولهما مباشره نَعظ ونكتب عنها كثيرًا، ويعرفها الجميع: هي ترك ما لله في العلن “الطريق الواسع الرحب”. أما الطريقة الأُخرى فكثيرًا ما نتجاهلها، فنكون داخل الخدمة وداخل جماعة المؤمنين ونصلي ونُرنم ونَتعبد ولكن نحيا في وَهم الخلاص! لأن البعض يظن إن الخلاص في العبادة داخل الكنيسة والخدمة فقط؛ مُحولين النعمة لما نفعله وليس لما فعله المسيح. فاحذَر عزيزي وَهم الخلاص عندما تبدأ حياتك الإيمانية، وليس هناك أقوى مَن نص البشير متى 7: 21 _ 23 “فليس كل مَن يقول يارب وليس كل مَن يصنع معجزات داخل الخدمة، هو في النعمة. هنا رسالتي التي تجاوب عن وَهم الخلاص اختبر نفسك: هل حقًا تفعل إرادة الله أم إرادتك. فكل الذي يظن إن الخلاص هو مجرد عبادة وجماعة ينتمي لها هو مخطئ تمامًا! فالخلاص أبعد وأعمق مِن هذا؛ فهو حياة داخلها وخارجها وجه واحد وهدفها فعل إرادة الله مِن الداخل قبل الخارج، وليس مجرد ممارسات وكلمات.

ثالثا: احْذَر السطحية الإيمانية.

إن السطحية في الإيمان المُعتمدة فقط علَى خِبرة أولية شعورية تَقود صاحبها لحياة بلا جذور في الحياة المسيحية. نحتاج في علاقتنا مع الله أن نَذهب للعمق في حياتنا الروحية والفكرية، بقيادة الروح القدس مِن خلال الكلمة بعقولنا وقلوبنا. فما يَتتوق إبليس لعمله معنا هو صناعة مؤمنين فارغين روحيًا وفكريًا، مُنشغلين بالأمور الخارجية فقط مع الآخرين؛ مكتفين بالنشوة الروحية الشعورية مِن خلال التلاعب بالمشاعر بلا ترابط واقعي وعقلي. لذلك فقدان التوازن في العبادة مِن الأمور التي تجعلنا مؤمنين سطحيين بلا عمق. يمكن تجنب السطيحة الإيمانية مِن خلال أمرين: الأول، هو الاهتمام بالعلاقة الشخصية مع الله، فلا تجعل العبادة الخارجية هي التي تُحدد علاقتك بالله! بل الصلاة والخلوة في المخدع ينبغي أن تقود حياتك الروحية. الأمر الثاني، هو كلمة الله لا تهمل البحث والقراءة والدراسة، فالكلمة غَنية ولا يمكن أن تُختزل في بعض القصَص والاختبارات المعاصرة مِن علَى المنابر، فنحنُ نُؤمن بسلطان وقوة الكلمة لأن مصدرها هو الله.

الإيمان الحقيقيَّ هو رحلة في الحياة المسيحية، وهذه الرحلة تتطلب ذهن مستنير ذو هدف واضح، ونمو في العلاقة مع المسيح بالدخول للعمق معه. فما يِرهب مَملكة الظلمة العلاقة الحية المُغيرة التي تتخلل كيان الإنسان كله مِن مشاعر وعقل، والتي تكون في الخفاء كما في العلن؛ هدفها مجد الله مِن خلال خلاص النفوس، مُختبرين أنفسنا ومُقدمين ذواتنا عن وعي لله حتى يَقودنا ويعمل فينا وبنا.

مينا عبدالله أنس

طالبٌ بكليّةِ اللّاهُوتِ الإنجيليّة

تم نشر هذه المقالة بجريدة الطريق والحق، العدد 186 مارس 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.