تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » المؤمنون والأزمات المُجتمَعيَّ

المؤمنون والأزمات المُجتمَعيَّ

بقلم

مينا عبدالله أنس

 

المؤمنون والأزمات المُجتمَعيَّ”

(الوباء- الفقر المائي- الإرهاب الخارجيّ)

تَتبعت كثيرًا مما كُتب وعُلِّمَ في هذه الفترة الأخيرة تجاة الأزمات الحالية، ورأيت أنَّ الاتجاه السائد هو، إمَّا التطلع إلى الله والانتظار السلبيّ، وإغفال الدور الإنسانيّ! -كمثل من يمتلك الآبار ليروي الصحراء ويخرج أفضل المحاصيل، ولكن ينتظر الأمطار حتى لا يُجهد-، أو الاستعراض الفكريّ بالتقليل من شأن عوَّام المواطنين! ولكن التطلع إلى الله ينبغي أن يقودنا لدورنا تجاه كل ما يحدث، والاستعراض الفكريّ ينبغي أن يقودنا لتقديم الآخر، حتى لا نسقط في حفرة الذات والإدانة. فكل أزمة هي فرصة نكتسب فيها بُعدًا جديدًا عن الحياة؛ فكثيرًا ما ظننا أننا امتلكنا الحياة، وأصبحت لنا اليد العُليا على الأرض. وفرصة أخرى لنقترب أكثر من الله، فالكثير من النُخبة والعامة، اعتقدوا أنهم أصبحوا مُلمين بالله غير المحدود! من خلال بعض الطقوس، وبعض القراءات والكتابات! نحتاج دائمًا أن نرجع ونقول كما قال أغسطينوس: “أنت خلقتني، فلتتكرم وتعيد خلقي. أنا أخطأت، فلتفتقدني. أنا سقطت، فلتقيمني. أنا صرت جاهلًا، فلتُحكِّمني. أنا فقدت البصر، فلتعد لي النور.”. وعلى جانب آخر فقدنا الوعي بالأصوات الخافتة التي سبقت المُعاناة، فكان لابد من وجود الصوت الصارخ لكي يُوقظنا من سُباتنا، يُرشدنا لدورنا كخدام عاملين مع الله. وفي هذه الكلمات القصيرة سوف ألجأ للمثال الأعظم الذي عرفناه وهو السيد المسيح. فنقترب منه بعض الشيء لنتعلم ونتبارك ونتغيّر ونُغّير.

أولًا: رفع الغطاء.

إنَّ أول ما ينبغي علينا كخُدام -مؤمنين- أُمناء لله في هذه الأزمات هو رفع الغطاء عن كل فساد، عن كل ما يحتاج للإصلاح والتغيير، عن كل ما وضعناهُ في غير مكانهِ. وحتى أكون دقيقًا في اختيار كلماتي، ليس عليك كخادم في بداية الأزمة أن تقدم الإجابات الكاملة! ليس عليك أن تستعرض أفكارك وكتاباتك!، لكن -في البداية- يتعين عليك كخادم إنارة العقول وسط ما يُحيط بنا من ظلام. لا تُنير شمعة إلا اذا أدرك الناس أنهم في ظلام وفي حاجة للنور. هذه الظروف هي الفرصة الأقوى للمؤمنين لكي يَنقدوا كل ما هو باطل من مفاهيم خاطئة عن الله. كيف تصلَّب فِكرنا عنه? كيف نراه يعمل? وماذا يُريد لنا? إنه الطريق لرفع الغطاء عن علاقتنا مع الآخر: فأصبحنا نُكَّفِر المختلف عنا، نَدين بعضنا البعض، أصبحنا نُجيد الفردية، والبحث عن الذات، أصبحنا نُمجد الطقوس الخارجية، قدسنا الحياة المادية!

عندما أتأمل في قصة مريض بركة بيت حِسَدا (يوحنا 1:5-22)، أتقابل وبعض الأسئلة التي كثيرًا ما شَغلتني، ما الهدف مما فعله المسيح؟ كان هناك جمهور كثير مضطجعًا من مرضى، وعُمي، وعُرج، وعُسم، وذهب المسيح لهذا المريض فقط! لماذا لم يشفِ الجميع بكلمتهُ! ماذا قدم هذا المريض بعد شفاءه! رأيت أن الهدف ليس فقط شفاء هذا المريض المُقعد منذ أمدّ، ولكن الأبعد من ذلك هو رفع الغطاء عن فساد المجتمع الدينيّ.

أولًا: إن البِركةٌ هي حالة المجتمع المليء بالضعف، والإنسان بطقوسِهِ لم يصل لا إلى الشفاء الجسدي الكامل، ولا إلى الفهم الروحي من جهة الألم.

ثانيًا: كَشف الغطاء عن فساد أفكار اليهود من جهة الله عندما قالوا: “إنه سبت، لا يحل لك!”.

ثالثًا: كَشفَ المسيح عن سُلطانهُ. لاحظ معي كيف لم يتقدم المسيح بالحل الكامل لكل مريض داخل البِركة! ولكن ما فعله هو رفع الغطاء عن الضعف والاحتياج. وهذه هي رسالتنا كمؤمنين في بداية هذه المحنة، التي يدعونا فيها الرب أن نكشف ما فسد، ونبحث عمَّا أراده الله لنا.

ثانيًا: تصحيح المفاهيم.

بعد رفع الغطاء وكشف الظلام، الطريق الثاني الذي ينبغي أن يسلكهُ كل خادم هو، تصحيح المفاهيم المغلوطة؛ فهذه هي الفرصة الأنسب لذلك وقت الألم. قال سي. إس. لويس: “لاشك أن الألم بإعتباره بوق الله، هو أداة مُريعة؛ إذ أنه قد يؤدي إلى تمرد نهائي لا توبة عنه. ولكنه يقدم الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان الشرير أن يحصل عليها للتغيير و الإصلاح. إنه يزيل البرقع، ويغرس راية الحق داخل النفس المتمردة.”. وهذا ما فعله السيد المسيح وقت الاحتلال من جهة ما كان سائدًا في حياة شعبه في القديم. جاء بمفاهيم مُغايرة من جهة فهمهم للناموس، والحياة، وكيفية الخلاص، ومن هو الأعظم، ونظرتهم للسامريّ، والأمميّ (متى23:23، 1:18-4، لوقا3:14، 25:10-37، يوحنا 1:3-6).

وأذكر هنا نموذجين لقضيتين بحاجة إلى البحث والتغيير:

القضية الأولى: هي تعاملنا مع النص الكتابي. تداول المجتمع طيلة ما مضى بعض الأفكار المغلوطة عن النص الكتابي، فالبعض يرى أن هذا الألم من الله للتوبة! البعض يرى أن هذا الوباء لا يرفع سوى بالصلاة، وأن الكتاب تنبأ بمثل هذا بعينه، وأنها نهاية العالم! وكل هذا باللجوء للنصوص الكتابيّة، ولكن بغير سياقها وفكرها اللاهوتيّ المتزن. فهذه الأزمات تقودنا لمناقشة كل هذا وتدعيم الفكر الكتابي الأصيل.

القضية الثانية: هي الوطن، وهذه قضية تتلامس مع كل المجتمع بمعتقداتهُ المختلفة. لا وطن لنا غير مصر، بكل ما يحتويه من مؤسسات؛ فينبغي أن ندرك أننا نحتاج للإصلاح على المستوي التعليمي، والصحي، وليس كما كنا نفعل من الهجرة للخارج بحثًا عن حياة أفضل، فاقدين الأمل في بلادنا.

فينبغي علينا إذًا دعم ومساندة بلادنا، وليس الحط من شأنها. فخلال هذه الأزمة أُغلقت كُل البلاد، وواجه الكل مصيره منفردًا. فهذه الأزمات لن نستطيع أن نواجها بُناءً على تقسيمنا كجماعات دينيّة، أوطوائف مُنفردة. ولا نستطيع أن نعبرها مستندين فقط على دعم خارجي، ولكننا سننجح فقط إذا تصدينا لها كوطن وشعب واحد.

دورنا كخدام ليس قاصِرًا على الدور الدينيّ، وشئون العبادة والمؤمنين، لكنه يمتد لإصلاح المجتمع، لأننا لسنا نحيا بمعزل عن الآخرين. فتُخطئ حين تظن أيها الخادم أن دورك قاصر على أتباعك وداخل كنيستك فقط سواء من تعليم أو تغيير.

ثالثًا: التشجيع.

الدور الثالث للخادم هو التشجيع، فالكثير منا ينتقد ويقدم الحق وكفى! في الحقيقة هذه المنهجية تقود حياة الخادم إلى الاستعراض الذي سَتُلزمه حياته مع مرور الوقت بفقدان جوهر رسالتهُ. فعندما ننظر لحياة المسيح نراه لم يرتبط فقط بالتعليم، ولكن كثيرًا ما شجع ودفع التلاميذ وأعطاهم مكانة ودورًا؛ بالرغم من أنهم لم يكونوا قد تأهلوا بالكامل لحمل الرسالة (متى1:10، 18:16، يوحنا1:13-17). فينبغي على كل خادم ممارسة التشجيع في ظل هذه الظروف، التشجيع من جهة من بدأوا يبحثون عن إجابات داخل الكتاب المقدس لما يحدث؛ فليس دورك أن تستعرض كتاباتك في هذا الوقت! ولكن أن تدفعهم للبحث والتنقيب داخل الكلمة. ,من جهة من هم خارج الإيمان من بدأوا يتسألون عن الألم والإله.  

دورك كخادم أن تُشجع بالكلمات والإرشاد. من جهة من بدأوا يُنتجون بعض الأفكار والكتابات، رسالتك أن تشجعهم في السر والعلن. ومن جهة من بدأوا يشعرون بالخوف وفقدوا السلام، دعوتك أن تشجعهم بكلمة الله، أن تفتقدهم بالوعود الإلهية، وتذكرهم بمراحم الرب.

مينا عبد الله أنس الوجود

طالبٌ بكليّةِ اللّاهُوتِ الإنجيليّة

تم نشر هذه المقالة بمجلة الكرمة/ لجنة الإعلام والنشر بمجمع المنيا الإنجيلي، يونيو 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.