تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » المسيح يعلم

المسيح يعلم

بقلم

مينا عبدالله أنس

 

الْمَسِيحِ يُعَلِّم

تَبادرَت إلَى ذَهنيِ بعض التَساؤلاتَّ! التي هي وَليدَة الواقع الكنسي الذي نَعيشهُ. إن كُنا نَحيا في عصر الذات، والأفضَليةَ البديهيةَ من جهة المعرفة! هل هُناك مِثَالاً كَامِلاً نَتبعهُ؟ فالإجابة الانتفاضية هي: يوجد المَسيح! “تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ.” (1 بط 2: 21). حقًا يوجَد مِثَالاً أعظَم وأكمَل لنا في كل شيءً، ولكن هل نَتبعهُ حقًا من جهة التَّعليم! فَقد خاضَ المَسيح عَلَى الأرض مَعركة تَعليمية فكريَة شَرسة! ضِدَّ المَبادئ الدينية والمُجتمعية الباليةَ، التي قادتّ المُجتمع الديني، للفهم الخطأ عن الله، وقادتّ المُعلمين الدينيين لاحتكار الملكوت، وقَهر الإنسان لأجل الطقوس! وصَعدَت من انعزالية الشعب اليهودي عن الشعوب المحيطة بهِ! (متى 23: 13-36)، (مرقس 7: 3). فحياة المَسيح علَى الأرض تَحمل في طَياتها الكثير من الجوانب التعليمية للشعب والقادة. فالأمراض الفكرية الروحية التي أفسدَت عَقلية الإنسان لا حل لها سوى بالتعليم. وبالنظر للإطار الخارجي لحياة المثال الأعظم لنا، نرى ثلاث جوانب تَقودنا لإعادة النظر في فكرة الاحتياج المُلَح للتَّعليم الكتابي الباحث عن الفهم كما قال أنسلم وأكد أوغسطينوس: “الأيمان الباحث عن الفهم” في ظل الظلمة التعليمية المُكتفية. أولًا، أولويَة التَّعليم في حياة المَسيح. ثانيًا، مَنهجية التَّعليم في حياة المَسيح. ثالثًا، نَتيجة التَّعليم.

أولًا: أولَويِة التَّعليم في حياة المَسيح.

ما هو أَكَثر شَيء قام به المَسيح في حياتهُ علَى الأرض! ما هو الهدف من وجود هذا الكَم الهائل من الأسفار الكتابية بعد حياة المَسيح! فَوجدت أن الإجابة هي، للتعليم: لمبادئ مَلكوت السموات؛ وإرشادنا للخلاص من خلال تَعليمنا ما هو الحق، وكيف نَعيش هذا الحق. فكانَت الأولوية في خِدمة المَسيح هي للتعليم، فعندَما نتأمل في النصوص الكتابية الخاصة بحياة المَسيح، نُلاحظ الجانب التعليمي واضح في كل نَص علَى حِدا. وبالنظر إلى المعجزات في الأناجيل نرى أن الجزء الغالب هو الجانب التعليمي: إما تصحيح مفاهيم مَغلوطة عن الله والشريعة أو إرساء مبدأ تَعليمي جديد خاص بملكوت السموات أو حث علَى البحث والتفكير (متى 5: 2، 17، 22). فالذي يوضح أهمية ودور التعليم في حياة المَسيح للمجتمع، فَلمْ يَنظر للعملية التصنيفية من جهة التعليم: بمعنى أن الكل يَنبغي أن يَتعلم: تعامل مع البسطاء فكريًا مُحاولًا تَعليمَهمْ، تَناقش مع عمالقّة الدين رؤساء الكهنة والكتبة والفرسيين، تعامل مع الثقافات الأخرى، وقدمَ لهم طعام روحي وفكري يُشبعهمْ(يوحنا 4) مُعلمًا إياهمْ، (مرقس 7: 26). أعود أتساءل، هل حقًا نَتبع هذا المثال! هل المجتمع الكنسي من خدام وأعضاء نَجعل التعليم أولويتنا؟ هل نُمارس التصنيف في عملية التعليم الكتابي بأن القصص والتأملات للبسطاء! والأفكار والمبادئ للاكاديميين! نحتاج أن نَعود ككنيسة؛ كجسد واحد، لوضع التعليم أولوية في حياتنا الإيمانية حتى نحيا مُتبعين المثال الأعظم لنا.

ثانيًا: منهَجية التَّعليم فِي حياة المَسيح.

أعترفُ في البداية بعدم وجود منهَجيةَ ثابتةَ من البداية للنهاية في عملية التَّعليم الكتابي، ولكن السيد المسيح وضعَ لنا مَبادئ عامة تَقودنا لمنهَجية تُناسب ظروف واحتياجات المجتمع الذي نَعيشهُ. أولًا، هناك حق في الكتاب المُقدَس ولكن علينا أن نُدرك هذا الحق الموجود حتى لا نقع فَريسة للفهم الخطأ عن الله. هذا الإدراك لا يتم إلا من خلال التعليم والبحث تحت سُلطان الروح القدس، كما فعل المَسيح. ثانيًا: السؤال، لم يكن المَسيح يُقدم إجابات مُغلفةَ جاهزة؛ ولم يَحتقر السؤال قَط، ولكن كان كثيرًا ما يَتسأل للبسطاء والدُهماء. وكان يسمع ويُقدر السائَل والسؤال ويُناقش ويُحلل، ويأخذ الطارح للفهم بعملية تعليمية: (مت16: 13)، (متى 22: 42)، (مر 12: 28_ 29).  ثالثاً، قبول الاختلاف بلا حدود (لوقا 20: 26، 26)، (لوقا 10: 30_ 37). كم من المرات أختلف المَسيح مع القادَة الدينيين؟ كثيرًا جدًا! لكن كَم من المرات بعد هذا الاختلاف رفض الحوار مَعهمْ أو تعليمهمْ! بالرغم من هذا الاختلاف في الرأي والفكر والتوجة، لكنهُ لم يَرفضهم أبدًا! وظل يُعلم ويُنذر ويُصحح المفاهيم المُشوهة لديهمْ. هل حقًا مازلنا نَتبع المثال الأعظم لنا في منهَجية التعليم! كيف نُعامِل الأخر المُعترض والناقد لنا! كيف نَتعامَل مع السؤال! فالبحث عن اليقين المَنطقي للإيمان هو رحلة من التعليم. فقال د. فؤاد زكريا: اليقين إذا أتى ينبغي ألا يأتي إلا في النهاية، أما في البداية وخلال الرحلة الطويلة فان الروح “النقدية المُتسائلة المُدققةَ” هي الدليل الذي لا غناء عنه”.

ثالثًا: نَّتيِجة واقَعية لتَعَاليمَ المَسيح.

مَاذا فَعلَت تعاليم المَسيح فِي عَصرهُ وفِي العالم اليوم؟ فَقَدْ كان المَسيح المُعلم صاحب ثورة إصلاحية مُغيرة لعقلية المجتمع الذي تواجد فيه. صاحبتها ثورة فكرية تعليمية مُغيرة للإنسان إلى اليوم وسَتبقى الأبد. مَن هم التلاميذ؟ مجموعة في أغلبيَتهم منْ بسطاء المجتمع لا يَقوى الكثير منهم علَى تأمل في دقائق مَعدودة أمام قليل من الناس. التلاميذ في بداية حياتهمْ، هل كانوا يَقدرونَ علَى مُحاورةَ فكرية لإثبات ما يقولون! هل كانوا يَمتلكون الأدلة والعقلانية الكافية! فَحولَ المسيح التلاميذ البسطاء في التعليم المَلكوتِي، لعظماء جاءوا بالآلاَف تحت قيادة الروح القدس. خاضوا أقوى المُبارزات الفكرية! مُدافعين عن إيمانهم بعَقلانية ومنطقية مَسوقين من الروح القدس، (أعمال الرسل 1: 15_ 22)، (أعمال الرسل 6: 7)، فالتعليم تحت سُلطان الروح القدس؛ بقيادة المُعلم أنارَ لهمْ الطريق، كما قال أفلاطون: “المُعلم الأمين هو مرشد يُشير لكَ إلى الطريق”. فقاموا بثَورة مُغيرة مُثبتيَن مبادئ ملكوت السماوات مُعلنين الخلاص.

التَعليم جُزءٌ أساسي في رّسَالةُ المَسيح، فمن خلال التَّعلِيم الكتابي المُنفتح علَى العالمْ، الباحث عن الفَهم والخلاص نَقتربُ إلى الله، ونَعرف كيفَ نَحيا. فالتحديات الثقافية والعلمية المتواجدةَ اليوم؛ تحتاج لجيل مُتعلمْ باحث تحت سُلطان الروح، غير مُكتفي تلميذًا دائمًا للكلمة والروح والعقل.

مينا عبدالله أنس

طالب بكلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة

تم نشر هذه المقالة بجريدة الطريق والحق العدد (183) ديسمبر (2020).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.