تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » صخرة الكنيسة

صخرة الكنيسة

بقلم

مينا عبدالله أنس

 

صَّخْرَة الكَنِيسَة

المَلك في رؤيةٍ ما، يَرَى النهر الَّذي يَمر بمملكته، ويشرب منه الجميع كمصدر أساسي للمياه في العصور الغابرة. وفي هذه الرؤية يَنظر وإذ أفاعي سوداء قد هبطت من السماء، وفي أنيابها سم تسكبه في النهر وصوتٍ يقول له: “حذار أنّ تشرب بعد الآن مِن نهر الجنون.” يقوم المَلك في عجالة ويخاطب وزيره ويخبره أن يمنع الجميع مِن الشرب مِن النهر، فيذهب الوزير ليطمئن على أنّ الملكة لَم تشرب مِن هذا النهر. ولكن كانت المفاجأة أنها شربت من ماء النهر؛ فيعود للمَلك ويخبره، فيحزن الملك! ويطلب من الوزير أن يستدعي كبير الأطباء ليجد حل لهذه المشكلة: فالملكة والشعب قد شرب من النهر وأصابهم الجنون. فيخبر الوزير الملك أنّ الطبيب أيضًا شرب من النهر. فيطلب منه أن يستدعي كبير الكهان فهو مَن يمتلك الحكمة والإيمان وقد يجد الدواء المناسب، ولكن شرب هو الآخر من ماء النهر! لا يجد الملك والوزير سوى طريق المعبد للصلاة وطلب معجزة لحل هذه المشكلة. والمفاجأة أنه في هذا الوقت يتباحث الجميع: الملكة _ كبير الأطباء _ كبير الكهان، في كيف ينقذوا الملك والوزير من الجنون لأنهم لم يشربوا إلى الآن من النهر! ويعرف الوزير هذا ويخبر الملك، فيُصدم من الوضع بأن الملكة ومَن معها يعتقدون واثقين بأن الملك والوزير هُم مَن يحتاجون للدواء للشفاء من الجنون “وهو الشرب من النهر”. ويدور حوار بين الملك والوزير فيه يُعلن الوزير أنه لا أمل من الوقوف أمام هذا التيار! فالكل في جانب والملك والوزير في جانب آخر؛ وينبغي على الملك أن يخضع لأن العقل سيجعله منبوذًا من الجميع. وينتهي الحوار بقول الملك للوزير: علىّ بكأس من ماء النهر! ويشرب الاثنين من ماء النهر. “مسرحية نهر الجنون للكاتب توفيق الحكيم، بسرد شخصي”. عندما أقرأ هذه المسرحية بترابط مع الواقع الَّذي نعيشه اليوم تراودني الكثير من الأسئلة: هل كان على الملك حقًا أن يشرب من ماء النهر؟ هل ما قاله الوزير عن الأغلبية والحق هو ما يسود على مجتمعنا اليوم؟ هل هناك علاقة بين هذه المسرحية ودور الكنيسة في العالم؟ ماذا لو كانت الكنيسة تمثل الملك والمجتمع يمثل الباقي؟ هل تشرب الكنيسة من نهر العالم في النهاية أم ترفض وتعلن ما هو حق كما أُعلن لها؟ أين الكنيسة من نهر الجنون الذي يجتاح العالم اليوم في أيّ جانب تقّف المَلك أم المَلكة والشعب؟ أؤمن أن الكنيسة ينبغي أن لا تقول هذه الجملة: علىّ بكأس من ماء النهر! صخرة الكنيسة وجدت ليتحطم عليها كل ما هو زائف كل ما هو جنون كل ما هو لا يصنع مشيئة الله! فالكنيسة مدعوه لأمرين، الأول: أن تحمل رسالة الخلاص، الرجاء، الأخبار السارة للعالم. الثاني: هو أن تقول لا لكل ما هو ضد الحق. والأمر الثاني لا ينفصل عن الأول، فنشر النور يقتضي بالضرورة أن يفضح الظلمة وهذا ما يؤكد عليه الكتاب المقدس: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ”. (يوحنا الأولى 2: 9) فالنور يؤكد غياب الظلمة ولا وجود للظلمة والنور معًا.” وفي هذا المقال سأناقش أمرين ينبغي أن يتحطمان على صخرة الكنيسة في العصر الحالي، وينبغي على الكنيسة الحقيقية أن تتحذر وتحذر منهم لأنهم يصيغوا كنيسة العالم وليسَ كنيسة الله. أولا: الذات. ثانيًا: ظلام الأغلبية.

أولا: الذات.

إنَّ الصراع الذي نحيا فيه الآن ينتج من بين ما أريده أنا كإنسان سقط وبين ما يريده الله لي! وتكمن المعضلة في أن هذا الأنا الذي يمثل الكنيسة، ولكن عن أيّ أنا أتحدث: هل الذات العتيقة أم التي ولدت من فوق “تغيرت تابت رجعت لله” التي تقود. فلا أقول هنا أن تحقيق الذات هو ضد خطة الله لخلاص العالم أو أو ضد مشيئة الله للإنسان، ولكن أقول إن تحقيق الذات خارج ما يريده الله للإنسان هو الذي يُسقط الإنسان. لأن خارج ما يريده الله لنا هو ضد الإنسان؛ لأن ذاتنا خارج دائرة الله لا تعلم ما هو نافع لها، بل تسعى لهلك نفسها معتقده أن هذا هو الطريق للخلاص! فلا يحق لنا بذاتنا التي فسدت أن نأتي إلى الكنيسة ونقود وندعي أن هذا ما يريده الله، بلا أن ننال الروح القدس الذي يشكلنا ويغيرنا إلى الذات التي يريدها الله وقال المسيح عن هذا الأمر: فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا.” (لوقا 9: 24) فلا يمكن أن نكون الصخرة التي يُبنى عليها الكنيسة وهذه الصخرة هي صخرة ذاتية؛ لم تولد من جديد! لأننا بهذه الطريقة سنُحطم كل من حولنا مدعين أن الله ليسَ ضد إيجاد ذاتنا. أقولها إن صخرة الكنيسة التي يشكلها الروح القدس التي هي نحن ينبغي أن يتحطم عليها ذاتك وذاتي التي فسدت، احلم لذاتك كما شئت لكن أنت مدعو للحلم بشروط الرب، للحلم حسب مبادئ الملكوت. فبسبب ميوعة المفاهيم حول تحقيق وإيجاد الذات، وعدم التفريق بشدة بين تحقيق الذات قبل الميلاد الثاني داخل الكنيسة وبعد الميلاد الثاني. ولأننا لم نُحطم ذاتنا العتيقة أصبحنا كما قال الأب متى المسكين: “صرنا مثل الكرم الذي كثرت فروعه وأوراقه وقل جوده وإثماره، فظهر جميلا من الخارج رديًا من الداخل، بمعنى أنه أصبح لنا شكل التقوى و لكننا لا نملك قوتها.” الكنيسة ليست المجال الذي فيها نُصارع من أجل أن نكون، ليست المجال الذي فيه نتصارع عمن يملك. فإذا أردت أن تكون داخل إطار الملكوت حقًا، إذا أردت أن تكون الصخرة التي يبنى عليها الكنيسة يجب أن تحطم ذاتك. ينبغي أن تكون المبادئ المعلنة والجوهرية للكنيسة هي هنا حيث تموت عن ذاتك وتولد من جديد، بذات جديدة داخل الملكوت.

ثانيًا: ظلام الأغلبية.

داخليًا هُزم الوزير في صراعه بين العقل والأغلبية، فقال للمَلك: الناس، المجانين، إنهم يرموننا بالجنون. ويتهامسون علينا ويتآمرون بنا، ومهما يكن من أمرهم وأمر عقلهم فإن الغلبة لهم، بل إنهم هم وحدهم الذين يملكون الفصل بين العقل والجنون. لأنهم هم البحر وما نحن إلا حبتان من رمل. أتسمع مني نصحًا يا مولاي؟  نعم، هلم نصنع مثلهم ونشرب من ماء النهر! فسقط الوزير أمام الأغلبية وأسقط الملك معه. إن الكنيسة على عكس ما قام به الملك والوزير؛ عليها أن تقول لا لظلام الأغلبية الذي ينتشر في المجتمع، الكنيسة لا تشرب من ماء العالم مهما تعالى صوته. فكما ذكر جون ستوت عن الكنيسة وقال: “إن دعوة الكنيسة هي لتقديم ثقافة مسيحية مغايرة.” فالكنيسة لا تخضع لرأي وأهواء الأغلبية مهما كانت قوة التيار العالمي، الكنيسة لديها سيد واحد تخضع له هو المسيح رأس الكنيسة. فصخرة الكنيسة ينبغي أن يتحطم عليها ظلام الأغلبية مهما كانت قوتهم العددية والمادية، مهما كانت درجة سيطرتهم وتملكهم في هذا العالم، مهما كانت الامتيازات التي قد يمنحوها للكنيسة. فكانت الكنيسة في القرن الأول صخرة يتحطم عليها ثقافة الأغلبية: فعندما كانوا يجتمعون للعبادة والتناول كان العالم يقول عليهم أكليّ لحوم بشر، وعندما أعلنوا إله واحد يعبدون كان العالم يراهم ملحدين لأنهم لا يؤمنون بباقي الآلهة، صُنفوا كفئة خارجة ومنشقة وتخطط لعمل ثوري! بالرغم من كل هذا لم تخضع ولم تساير ظلام الأغلبية بل ظلت صخرة أمينة تعلن الأخبار السارة بقوة للعالم، ويتحطم عليها كل فكر ردئ لا يتوافق مع حياة الملكوت.

صخرة الكنيسة التي يُشكلها الروح القدس بنا ينبغي أن يتحطم عليها ذاتنا التي فسدت، التي لم تنال الميلاد الثاني “لم تتوب عن ذنوبها” فالكنيسة ليست مجال لتحقيق الذات التي لم تختبر المسيح، ليست مجال لصناعة الأنا خارج مبادئ الملكوت. صخرة الكنيسة لا تتشكل بالعالم بل تُشكل في العالم بالروح القدس فتقود وتُغير وتُصلح، لا تخضع لظلام الأغلبية بل يتحطم عليها ظلام الأغلبية من فساد وظلم، يتحطم كل عليها كل ما لا يصنع مجد الله، يتحطم عليها كل فكر ظلامي لا يضع الإنسان أولًا.

مينا عبدالله أنس

طالبٌ بكليّةِ اللّاهُوتِ الإنجيليّة

تم نشر هذه المقالة بجريدة الطريق والحق، العدد 194 نوفمبر 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.