تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » غياب المصلحين

غياب المصلحين

بقلم

مينا عبدالله أنس

 

غِيابْ المُصلَحين!

إِنَّ التَاريِخ البَشرِيَّ يُعلِنُ أهميِة الإصلاح ويؤكد علَى الاحتياج المُستَمر لوجُود المُصلحين الذين يقودونَ هذا الإصلاح، فالتغيير المَنشود يَحتاج إلَى مُصلحين أُمَناء أشدَّاء. فلَم يَحدث الإصلاح يومًا مِن البدايات والقشور فقط، وليسَ هُناك إصلاح بلا ثَمن ومثابرَة. كما قال الكاتب ايدن ويلسون توزر: “أعتقد أن الحاجة الملحة لهذا اليوم ليست مجرد إحياء، بل إصلاح جذري يذهب إلى جذور أمراضنا الأخلاقية والروحية ويتعامل مع الأسباب بدلاً من العواقب، مع المرض بدلاً مِن الأعراض. “فهُناك أصوات تتعالى مُطالبة بالإصلاح، ولا أُنكر أنَّ هُناك بعض البدايات نَحْوَ هذا الطَريق. ولَكن يأتي التساؤل هُنا: ماذا حلَ بالمُصلحين في يومنا هذا؟ لماذا تَفشل مُحاولات الإصلاح بَعْدُ أنّ تبدأ؟ وفي هذَا المقال أُقدمْ أربعة أسباب رئيسية تُخبرنا بغِياب المُصلحين الذين أعتدّنا أنّ نقرأ عَنهمْ مِن خلال التاريخ. أولًا: مِيوُعة النظرية. ثانيًا: تَجاهل الحقائق. ثالثًا: إغْراء المكانة. رابعًا: التَوجه نَحوَ ما يَجذب الجمهور.

أولًا: مِيوُعة النظرية.

لا خِلاَف علَى أهمية وَجود النظريات المختلفة حول قَضِيَّة ما أو هدف ما، ولكن مِيوعة النظرية لدى البعض هو أمر مرفوض لأنه لا يقود لهدف معين. بمعنَى أنَّ الذين يَدعونَ إلى الإصلاح أو التغيير يَقعون في فخ كل النظريات مَقبولة ولا ترجيح لأيّ منهما! فيأتي أحد مُدَعين التغيير ويُقدم نظريات عديدة عن قضية ما أو عدة قضايا ولا نجدهُ ينتمي لأيّ نظرية منهم بصورة مباشرة، ولا يُدعم واحدة علَى حساب الأُخرى. ومِن هُنا أصبح المُصلح مجرد سارد للنظريات بلا هَدف وبلا رؤية، فالسؤال هُنا ماذا قدمت كمُصلح! مثال على ذلك: نظرية الخلق، فأنا أعرف جيدًا أنَّ هُناك ما لا يَقل عن خمسة نظريات عن الخلق: مَن يرفض، وَمن يؤيد، ومَن يأخذ موقف المحايد، وَمن يرفض الكل. لذلك إنّ لَم تُدعم نظرية تراها كمُصلح أنها ستُغير في المجتمع وتُحدث الإصلاح فماذا قدمت من الأساس! فعِندَمَا نَنظر للعلماء والمُصلحين نراهمْ تبنوا نظرية معينة، بعد سرد النظريات الأُخرى ودافعوا عنها ومِن ثم بهذه النظرية يَحدث الإصلاح والتغيير. خير مثال على ذلك مارتن لوثر عام 1521م في مجمع وارسب، عندما تمسك بنظرة أو توجه واحد من جهة العقائد الأساسية المسيحية؛ ولم يَسمح بالمساومة على هذا التوجه فقال: “إن لَم أقتنع بالكتاب المقدس والعقل فلن أقبل، لأن السلطات والمجامع الأُخرى التي نعتمد عليها الآن عارضت بعضها البعض، وهنا أقف ولَن أتراجع. مِن هذه اللحظة كانت بدايات التغيير في وقت لوثر، بأن الكتاب المقدس هو السلطة الأولى والمركزية، ومن ثم لكي نُصلح ينبغي أنّ نؤمن بهذه النظرة. فاليوم ليعود المُصلحين ينبغي أنّ يَقوموا بتدعم نظرية تقود المجتمع إلى الإصلاح، مُرتكزين علَى المبادئ الكتابية.

ثانيًا: تَجاهل الحقائق.

أصبح اليوم شعار الذين يَبحثون عن الإصلاح والتغيير لا حق ولا حقيقة ولا أحد يعرف الحق! وهذا شيء يجعل مَن يدعو للإصلاح مِن جانب يناقض ذاته ومِن جانب آخر يجعل المجتمع يفقد الثقة فيه! ومِن ثم يتوقف الإصلاح، فالسعي للحق يقتضي وجود حقائق أولية نسعى مِن خلالها. فالمُصلحين وقت التغيير كانوا يَقفون علًى أرضية صلبة مكونة مِن مجموعة حقائق أولية، مُحاولين من خلالها الوصول للحق الجوهري في رحلة بحث واضحة المَعالم  وهذا ما عبرَ عنه عبد الوهاب المسيري في كتاب رحلتي الفكرية عندما قال: إن المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتكنولوجيا ولا تضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تحيى العقل ولا تميت القلب، تنمى وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود. “فالإصلاح لا يعني أنّ نضرب بعرض الحائط كل ما هو قائم، ولا يعني غياب الحق أو استحالة الاقتراب منه. ولكن هو الاعتراف بحقائق أولية تساعدنا علَى البحث عن حق أو خير أعظم، وفي محدوديتنا لن نحتوي الحق بصورة كاملة؛ ولكن هذا لا يمنع معرفة الحق كوجود بلا احتواء كامل له.

ثالثًا: إغْراء المَكانة.

كثيرًا ما نَظل نُنادي بالإصلاح والتغيير، ولكن عندما يحين الموعد لنمتلك مكانة ما نتوقف عن هذا الأمر الذي ندعوهُ التغيير والإصلاح! إما مُدعين أنه قدمنا كل ما لدينا أو أنه لا حل الآن. فالتاريخ لا يذكر لنا مُصلح حقيقي أمين تخلّى عن قضيته التي لأجل الجميع في مقابل مكانة له. ولنا في ذلك نموذج قوي السيد المسيح: فعندما جاء الشيطان للمسيح وحاول أنّ يُقدم له المكانة أو بصورة أدق يُغريه بالمكانة والتَملك، فكان رد المسيح حاسم بأنه مكتوب، ولا تفاوض علَى الحق الكتابيّ من أجل غرض شخصي. وعندما خدم وعاش المسيح بين الشعب، وبعدما عمل الكثير مِن المعجزات وتقديم الطعام الروحي للشعب من خلال التعليم، يقول الكتاب بأن الشعب أرادوا أنّ يأخذوه ويجعلوه ملكًا. ولكن المسيح ظل مُتَمسك بالهدف الذي جاء مِن أجله، فلَم يَقبل المساومة مِن أجل مكانة؛ ولَم يجعل أيّ شيءً قد يكون ذو منفعة شخصية يجذبه بعديًا عن رسالته. فالمُصلح ينبغي أنّ يحذر جاذبية المكانة، فهُناك هدف يسعى للوصول له وهذا الهدف هو للخير العام أولًا ومن ثم الخير الشخصي.

رابعًا: التَوجه نَحوَ ما يجذب الجمهور.

عندما نَجد أَحَد الكُتاب يقُاتل مِن أجل قضية ما، وفي داخل هذه القضية عدة توجهات أُخرى. نجد الكاتب قد يميل بعد طَرح نظريته إلى ما جذب القارئ أو ما أَعجبَ الجمهور، ومِن هنا يفقد قضيته الأساسية التي قد تكون سبب في بذار الإصلاح من أجل البحث عن رضى المجتمع! لنا هُنا مثال مِن الأنبياء في العهد القديم: فكان الأنبياء مُثقلين بقضية ما بها اللعنة في حالة عدم الطاعة والبركة في حالة الطاعة، وبالرغم مِن أنَّ الشعب كان ينجذب فقط للبركة والنعمة التي في رسالة النبي، إلا أنَّ صاحب الرسالة يظل مُتمسك بها دونَ اقتصاص حتى لو رُفضَت مِن الجمهور المراد تغييرهم. وهذا ما أكد عليه المُصلح جون كالفن عندما قال: “الرخاء يسكر الرجال، فيتمتعون بمزاياهم الخاصة.” فعندما نجد جانب في قضيتنا يجعل الجمهور يمتدحنا قد نهمل القضية الرئيسية متوجهين إلى ما يجعلنا نَشعر بالارتياح الشخصي.

إن العصر الَّذي نَحْيا فيه يحتاج لمُصلحين مُهدفين، يَعرفُون قضيتهم جيدًا وإلَى أين يتجهون. وفي طريقهم للبحث عن الإصلاح المنشود، ينبغي أن نتبنى نظرية نراها ستضعنا علَى طريق الإصلاح بلا إهمال للنظريات الأُخرى. فالحقائق موجوده كبداية يستند عليها كل مُصلح سواء كمقدمات أو نتائج يبغي الوصول لها. فالمُصلح لا تُغريه المكانة، ولكنه يظل يستمد مكانته ورسالته الأعظم من قيادة التغيير. أخيرًا علَى المُصلح أنّ يُقدم للمجتمع ما يبنيه وليس ما يجذبه، فيقدم الطعام المناسب الذي يقودنا للإصلاح. ومِن هُنا سَيعود المُصلح الذي وسَيعود الإصلاح الذي نتَطلع له وسَنشهد أزمنة تُماثل ما نسترشد به في التاريخ، هذه الأوقات التي نقلت الإنسان من الظلمة إلى النور.

مينا عبدالله أنس

طالبٌ بكليّةِ اللّاهُوتِ الإنجيليّة

تم نشر هذه المقالة بمجلة الهدى، العدد 1233 يوليو 2021م

مجلة الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.