تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » أنشودة الأمل في وسط عالم مضطرب

أنشودة الأمل في وسط عالم مضطرب

الكاتب

 القس عيد صلاح

راعى الكنيسة الإنجيلية بعين شمس

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر  

أنشودة الأمل في وسط عالم مضطرب

مزمور 27

هناك بعض الدّراسات الحديثة التي تربط بين الحالة النفسيَّة والمزاجية وبعض الأمراض العضويَّة، كما أن هناك علاقة بين الإيمان والأمل وتجاوز محن المرض والصعاب، وهذا يؤكِّد على محاولة على صفاء الحالة الذهنيَّة.
حاول داود في مزمور 27 وهو يعيش حالة من الاضطراب والقلق أن ينشد هذه الأنشودة التي تزرع بذور الأمل والرجاء وتجني ثمار الإيمان في الحياة. فينشد داود أنشودة الأمل في وسط عالم مضطرب، فيقول: “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ (مزمور 27: 1)، “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ.” (مزمور 27: 14).
في وسط ما يثار من حولنا من أمور مقلقة في مستويات عديدة نستطيع أن نستدعي من الذاكرة كلمات الوحي التي تشجعنا “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟
الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ (مزمور 27: 1)
والملاحظ هنا أن المزمور يبدأ بالرب وينتهي بالرب ويأتي اسم الرب 14 مرة في المزمور ليعلن أنه وسط متغيرات الحياة وتقلباتها يكون الرب هو المحور، وهذه الرسالة تبعث الأمل، فلست وحدك ولن تكون، فالرب معك يضمن الطريق ويرتفع بك على المحن والصعاب.
في المزمور نجد أمرين، هما:
1- أسباب الاضطراب والقلق،
2- بواعث الأمل والرجاء.

أولاً: أسباب الاضطراب والقلق

تعددت مصادر القلق وأسباب في مزمور 27، ويمكن أن نجتاز في مثيلاتها أو أمور مقلقة أخرى، ويوردها داود حصرًا وهي كالتالي:
1- قلق من ناحية الأشرار الذي يحاولون تحطيم الجسد، فيقول: “عِنْدَ مَا اقْتَرَبَ إِلَيَّ الأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي” مزمور 27: 2أ).
2- المضايقين: وردت كلمة مضايقيّ مرتين، هما: “مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا” (مزمور 27: 2 ب)، “لاَ تُسَلِّمْنِي إِلَى مَرَامِ مُضَايِقِيَّ.” (مزمور 27: 12).
3- الأعداء: وردت كلمة أعدائي ثلاث مرات في المزمور، وهي: “مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا” (مزمور 27: 2 ب)، “وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي” (مزمور 27: 6) عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ، وَاهْدِنِي فِي سَبِيل مُسْتَقِيمٍ بِسَبَبِ أَعْدَائِي.” (مزمور 27: 11)
4- جيش: عمل منظم “إنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي” (مزمور 27: 3أ)
5- حرب: حدث منظم “إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ.” (مزمور 27: 3 ب)
6- يوم الشر: “أَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ” (مزمور 27: 5أ).
7- شهود زور: “أَنَّهُ قَدْ قَامَ عَلَيَّ شُهُودُ زُورٍ وَنَافِثُ ظُلْمٍ” (مزمور 27: 12)
8- نافث ظلم: “أَنَّهُ قَدْ قَامَ عَلَيَّ شُهُودُ زُورٍ وَنَافِثُ ظُلْمٍ” (مزمور 27: 12)
9- الشعور بالوحدة: “إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَالرَّبُّ يَضُمُّنِي” (مزمور 27: 10)
من خلال التسع أسباب التي أوردها داود في المزمور فهو يعاني من أعمال فردية من الأشرار والمضايقين والأعداء)، بجانب أعمال منظمة مثل جيش، وأحداث منظمة مثل حرب، في توقيت غير مناسب وهو يوم الشر، مع الانهيار في الجانب الأخلاقي المتمثل في شهود زور ونافث الظلم، وإعلانه عن إنَّه يعيش الوحدة في صورة فقد الأب والأم.
أمام كل هذه الاضطرابات والقلاقل الصعبة والتي أتت كلها معًا وجميعها في مزمور واحد وكأن المصائب لا تأتي فردًا، وهي كفيلة بأن تقتلع داود وأي داود من جذوره، ولكن المدهش في الأمر أن داود لم يهمل هذه الاضطرابات لم ينساها أو يتناساها ولكنه اقر بوجودها وخطورتها في الوقت نفسه. وحول هذه الأمور إلى عوامل إيجابية طيبة في حياته من خلالها يتمسك ببواعث الأمل والرجاء وتتعلق عيناه بالرب وليس بالظروف.

ثانيًا: بواعث الأمل والرجاء

في ظل ما واجهه داود فيما سبق من أسباب عديدة للقلق والاضطراب نجد أن لدية أمل ورجاء في الرب، فإن كانت الأسباب تسعة لكنه يردد الرب أربعة عشرة مرة، فهو منشغل بالرب أكثر من الظروف التي يجتاز فيها، وبواعث الأمل والرجاء تبنى على:

أولاً: صورة واضحة عن الرب

عبر داود في مزمور 27 عن صورة واضحة عن الرب، فهو: نوري، خلاصي، حصن حياتي، يخبئني، يسترني، يرفعني، فيقول: “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ (مزمور 27: 1). ويقول أيضًا: “لأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي.” (مزمور 27: 5).
العلاقة هنا علاقة شخصية فالله ليس فكرة بعيدة عنا ولكنه شخص قريب ومتفاعل مع حياتنا، كلما يكون هناك تصور واضح عن الله كلما كان التصرف أفضل، والفكر أعمق، والحياة أمتن. وعندما تكون الصورة مشوشة عن الله يكون الاعتقاد مشوش والتصرف يشوبه العوار، والحياة أكثر صعوبة.

ثانيًا: حوَّل هذا الاعتقاد إلى حياة معاشة

يعلن في بداية أنشودة الأمل والرجاء بالقول: “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ (مزمور 27: 1)، وبلغة الثقة يقول: “إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. (مزمور 27: 3). نحن أمام إنسان مطمئن بالرغم من وليس لأنه، بالرغم من الظروف المعاندة وليس لأن الأمور من حوله طيبة وجيدة ومستريح.
من خلال هذا نجد أن البناء الداخلي الروحي والفكري لدى داود كان قويًا رغم الظروف المعاكسة، فيقول: “وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ.” (مزمور 27: 6). وفي نفس الوقت يطلب التعليم والهداية خشية من الزلل، فيقول: “عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ، وَاهْدِنِي فِي سَبِيل مُسْتَقِيمٍ بِسَبَبِ أَعْدَائِي.” (مزمور 27: 11).
وفي نفس الوقت يدرك الفرق بين الثابت والمتغير، فالثابت هو الرب والمتغير هو البشر، فيقول: “إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَالرَّبُّ يَضُمُّنِي.” (مزمور 27: 10). والمقارنة بين الترك والضم واضحة، ففي الوت الذي فيه يتركونا أو نُتَرك من البشر نجد أن الرب هو الذي يضمنا ويضمن حياتنا.
آمن أيضًا بأن جود الرب لا نهاية له، فيقول: “لَوْلاَ أَنَّنِي آمَنْتُ بِأَنْ أَرَى جُودَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ.” (مزمور 27: 13). دور الإيمان في الحياة مهم، “آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ: «أَنَا تَذَلَّلْتُ جِدًّا».” (مزمور 116: 10). وثباته أيضًا مهم: “أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ.” (1 كورنثوس 13: 13).
خلاصة كل ما سبق في كل الظروف والأحوال “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ.” (مزمور 27: 14). “اِنْتِظَارًا انْتَظَرْتُ الرَّبَّ، فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي” (مزمور 40: 1).
الرسالة التي يحلمها لنا مزمور 27 أنه مهما كانت الظروف صعبة وقلقة ومضطربة من حولنا: ضيق، فقد، حزن، محاربات، قلاقل، وباء، مرض…إلخ. فليكن فينا الأمل والرجاء في الرب وحده لا سواه، فهو “عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي.” (مزمور 27: 5).
وهذا الموقف يذكرني بموقف حبقوق الذي تشابهت ظروفه مع داود في مزمور 27 ولكنه رأي الظروف بعين الله وليس بصورته الشخصية:
“فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ،
وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ.
يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ،
وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا.
يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ،
وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ،
فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي.
اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي،
وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ،
وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي.”
(حبقوق 3: 17- 19).
وموقف بولس الرسول أيضًا عندما يقول:
“الَّذِي نَجَّانَا مِنْ مَوْتٍ مِثْلِ هذَا،
وَهُوَ يُنَجِّي.
الَّذِي لَنَا رَجَاءٌ فِيهِ
أَنَّهُ سَيُنَجِّي أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ.”
(2 كورنثوس 1: 10).
في الختام عاش دَاوُدَ في مزمور 27 واقعية ومؤلمة في الحياة، ربما تتشابه مع حياتنا، فهي ليست وردية أو خالية من الأشواك وليست كلها حياة انتصارات، وليست كلها مليئة بالسلام والاطمئنان، فقد عاش دَاوُدَ أيام صعبة على المستوى الشخصيّ، والأسريّ، والسياسيّ، ولكن مع كل هذا لم يفقد الأمل في مستقبل أفضل اعتمادًا على الرب وليس الظروف، وهذا ما يبعث دائما على الرجاء في عالم مضطرب. وهكذا نحن بالرغم من الظروف يمكن أن نرفع شعار “أنا مطمئن” في كل الظروف والأحوال
عظة (الأحد الأخير 26 ديسمبر 2021م)
القس عيد صلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.