تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الإصلاح بين الماضي والحاضر

الإصلاح بين الماضي والحاضر

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

الإصلاح بين الماضي والحاضر

يحتفل العالم في تلك الأيام بذكرى الإصلاح الإنجيلي، والذي لاحت بوادره في أوائل القرن السادس عشر الميلادي. وكم ساهم الإصلاح في إزالة أستار الظلام التي كانت تخيم على الكنيسة آنذاك، وتبعه أيضًا إشراق نور الإنجيل مرة أخرى في قلوب الكثيرين، والذين قاموا هم أيضًا بدورهم في نشر هذا النور وحمله إلى كل ربوع العالم. وكم لاقى المصلحون في سبيل ذلك ما لا يتخيله عقل من مقاومة وإضطهاد حتى الموت، حيث أُستُشهد عدد كبير من المصلحين الأوائل في سبيل إعلان حق الإنجيل. ولقد قام الإصلاح على خمسة مباديء يجدر بنا أن نذكرهم في سياق حديثنا عن الإصلاح، ألا وهم:

  • الكتاب المقدس وحده: “كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر” (2تيموثاوس 3 : 16).
  • المسيح وحده: “ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أُعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص” (أعمال 4 : 12).
  • الإيمان وحده: ” لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله” (افسس 2 : 8)
  • النعمة وحدها: : ” لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله” (افسس 2 : 8)
  • مجد الله وحده: “فإن كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله.” (1 كورنثوس 10 : 31).

وفي الحقيقة لم تكن فكرة الإصلاح جديدة في إطار الكتاب المقدس، حيث تمتليء صفحاته بفكر الإصلاح، وتتعدد بين أسفاره أشكال وأنماط الدعوة إلى الإصلاح من قِبل الأنبياء والمُرسلين قبيل مجيء المسيح بالإصلاح الشامل “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عبرانيين 1 : 1 – 2).

وكم من مصلحين من ملوك وأنبياء أتوا في العهد القديم بخطط إصلاحية، وثاروا على أوضاع خاطئة وانحرافات كانت سائدة.

فعلى سبيل المثال يصرخ النبي إرميا الملقب بالنبي الباكي من جرّاء الفساد المنتشر وسط الشعب آنذاك قائلًا: “أليس بلسانً في جلعاد أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تُعصب بنت شعبي؟ (إرميا 8 : 22).

وكان البلسان عبارة عن مادة صمغية ذات رائحة عطرة تُستخلص من هذا النوع من الأشجار الموجودة في جلعاد، وكان يُستخدم في العلاج (إرميا 46 : 11). ويأتي أول ذكر للبلسان في سفر التكوين عندما بيع يوسف من قِبل إخوته لقافلة الإسماعيليين التي كانت مقبلة من جلعاد ومتجهة إلى مصر، حيث كانت جمالهم حاملة “كثيراء وبلسانًا ولاذنًا” (تكوين 37 : 25).

فلقد سأل إرميا هذا السؤال الإستنكاري وهو متعجبًا ومندهشًا، وأيضًا كان في حالة من الحزن الشديد والرثاء لشعبه، فكان لسان حاله: “ياليت رأسي ماء وعينيّ ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلًا قتلى بنت شعبي” ( إرميا 9 : 1).

وإذا سألنا إرميا عن سبب بكائه ونوحه فإنه يخبرنا بجوانب الفساد والإرتداد التي كان الشعب يعاني منها وقتئذٍ والتي تحتاج فعلًا إلى الإصلاح:

  • الإرتداد الدائم عن الرب

“فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا؟ تمسكوا بالمكر أبوا أن يرجعوا. صغيتُ وسمعتُ. بغير المستقيم يتكلمون. ليس أحد يتوب عن شره قائلًا ماذا عملت؟ كل واحد رجع إلى مسراه كفرس ثائر في الحرب. بل اللقلق في السماوات يعرف ميعاده، واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيئهما. أما شعبي فلم يعرف قضاء الرب!” (إرميا 8 : 4 – 7).

هكذا كان في القديم حال الشعب، واليوم أيضًا كم من أناس يعيشون في مثل هذه الحالة وينطبق عليهم هذا القول فيرفضون الرجوع القلبي إلى الله، مصرين على حياة البعد والإستقلال عنه، بل يسلكون بكل خبث ومكر. لقد مدح الله اللقلق، واليمامة، والسنونة المزقزقة لأن هذه الطيور البكماء تعرف وتحفظ وقت رجوعهم بالمقارنة بالشعب الذي يأبى الرجوع.  لذلك فالله لم يزل إلى الآن يدعونا أن نرجع إليه بكل قلوبنا، وأن نصلح طرقنا، ونقترب منه فيقترب إلينا.

ويعتبر مثل الإبن الضال في (لوقا 15) أكبر مثال لمحبة الآب وقبوله للضال التائب الذي قرر الرجوع عن بعده وإرتداده.

  • إدعاء الحكمة والتنوير

“كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا؟ حقًا أنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب. خزى الحكماء. إرتاعوا وأُخذوا. هاقد رفضوا كلمة الرب، فأية حكمة لهم؟” (إرميا 8 : 8 – 9)

كم كان هذا الوضع يحتاج إلى إصلاح! حيث كانوا حكماء في نظر أنفسهم ويعلنون إكتفائهم وعدم حاجتهم إلى شيء. وهذا أيضًا حال كثير من الناس اليوم، لكن حكمتهم زائفة لأنها تقودهم إلى البعد عن الله، فيقول بولس: “ألم يجهل الله حكمة هذا العالم، لأنه إذا كان العالم لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة” (1كورنثوس 1 : 20).

وأيضا يعلمنا الكتاب أنه “توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت.” (أمثال 14 : 12). لذلك فيجب أن نطلب من الله أن يعطينا الحكمة السماوية التي ترتبط بمعرفته ومخافته، فنكون حكماء بالفعل وليس حكماء في أعين أنفسنا فقط. “من يعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعيّر فسيعطي له” (يعقوب 1 : 5).

  •  التهرب من المسئولية وإلقاء اللوم على الله

“لأن الرب إلهنا قد أصمتنا وأسقانا ماء العلقم، لأننا قد أخطانا إلى الرب” (إرميا 8 : 14).

وتأتي هذه الآية في “ترجمة الحياة” هكذا: “لأن الرب إلهنا قد قضى علينا بالهلاك ، وأعطانا ماءً مسمومًا لنشربه، لأننا أخطأنا في حقه”.

فكان لسان حالهم: انتظرنا السلام وليس سلام، انتظرنا الشفاء وليس شفاء. أي أن الله قد خذلنا!!

لكن في الواقع هم يتهربون من مسئولية تحمل نتائج أخطائهم وانحرافاتهم. فكم يميل الانسان أن يبحث عن شماعات يعلق عليها أخطائه، وكم يميل إلى الرثاء لحاله وقت حصاد الشر الذي زرعه، وما أسهل أن يلوم الله أويلعن الظروف، او يرجع ذلك إلى الحظ والقدرية، وهكذا. لكن الكتاب أمين في تعليمه لنا أن الحصاد دائمًا يكون من جنس الزرع “لاتضلوا! الله لا يُشمخ عليه. فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا” (غلاطية 6 : 7).

وأيضًا يقول الكتاب: “فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق، أو فاعل شر، أو متداخل في أمور غيره” (1بطرس 4 : 15).

فعلى سبيل المثال عندما لا نسلك حسب الحق، فلا نلوم الله عندما نعثر. وعندما نكون محمولين بكل ريح تعليم، فلا نلوم الله عندما نضل، وهكذا.

لذلك فالله الطبيب العظيم يدعونا جميعًا إلى إعادة النظر في حياتنا، والإقرار بحالتنا الحقيقية وإخفاقاتنا، والرجوع إليه وطلب الحكمة السماوية والإصلاح الكلّي لكل ما قد فسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.