تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » التيار اللوثري والتيار الإصلاحي

التيار اللوثري والتيار الإصلاحي

الكاتب

 القس صموئيل عطا

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر 

التيار اللوثري والتيار الإصلاحي

يعرف الكثيرون منا عن الإصلاح ونشأته في أوربا في القرن السادس عشر، منذ ذلك اليوم الذي علق فيه الراهب الألماني “مارتن لوثر” قائمة بالاعتراضات الخمس والتسعين على أبواب كاتدرائية “ويتنبرج” يوم 31 أكتوبر عام 1517م، وكم كان هذا اليوم بالحق يومًا تاريخيًا فاصلًا في تاريخ الكنيسة، بل وفي تاريخ الحضارة الغربية برمتها.

وكما نعرف أيضًا كم كان المسرح معدًا ومهيئًا لهذا الحدث الجلل في أوربا، حيث أنه في الآونة الأخيرة التي تسبق الإصلاح كانت الكنيسة في أوربا تعيش عصورها المظلمة، فتفشّى فيها الفساد، وسادها الضعف والخوار بعد أن كانت قوية متماسكة، حيث كانت كنيسة روما هى الكنيسة الوحيدة لأوربا طيلة الف عام من القرن السادس إلى القرن السادس عشر، وقد حكمت كقوة عظيمة واحدة موحدة، تضافرت فروعها لتكون كيانًا واحدًا متينًا ومهيمنًا، فكان أباطرة الرومان يُتوجون على أيدي البابوات، وكانوا يقدمون الولاء لروما، حيث كان البابا عندهم أعلى من الإنسان لكنه أدنى من الله، ونستطيع أن نرى ذلك في قول البابا “إنوسنت الثالث” (1160 – 1216)، حيث وصف مركزه البابوي قائلًا: “إلى البابا يُقال في شخص النبي: قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب والممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتبني وتغرس” (إرميا 1 : 10)، وأيضًا كان ينسب لنفسه ما قاله الرب لبطرس: “وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات وكل ماتحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات” (متى 16 : 19).

فهكذا كانت الدولة تستمد سلطتها من الكنيسة، حيث كان الفكر السائد حينئذ أن الكنيسة والدولة كالنورين العظيمين لحكم الليل والنهار، فالكنيسة هى النور الأكبر (الشمس) لحكم النهار، والدولة هى النور الأصغر (القمر) لحكم الليل بحسب اعتقادهم، لذلك فكانت للكنيسة وقتئذ سيطرة كبيرة على عقول الناس وسلوكياتهم أيضًا.

لكن ما حدث أن الفترة التي سادها الضعف والخوار هى الفترة التي سبقت الإصلاح مباشرة، حيث انحدرت البابوية، وفقدت تأثيرها السياسي والأخلاقي أيضًا، فتوالت الاتهامات ضد البابوية بسبب الاستغلال المالي الذي ردخ تحته الشعب وعانى منه قرونًا طويلة،ظ حيث كانوا يبالغون في فرض الضرائب وجمع الأموال بطرق مختلفة، ولأسباب كثيرة متنوعة بغير وجه حق، فكانت إحدى هذه الطرق التي اخترعتها الكنيسة لجمع الأموال من الناس وقتئذ هى فكرة “صكوك الغفران” والتي كان يتم بيعها للناس بناء على مرسوم بابوي مقابل الحصول على استحقاقهم لدخول السماء من خلال غفران ىخطاياهم. وقد ارتبطت تلك الممارسة أيضًا بشراء الوظائف الكنسية ومناصب الأساقفة، من أجل ذلك كانت كل هذه الأحداث التي آلت إلى تدهور وضع البابوية والكنيسة بصفة عامة في ذلك الوقت، فهذا كان الوضع قبل الأصلاح وكأن هذه الأحداث كانت بمثابة تهيئة للإصلاح.

لكن كما نعلم أنه كانت هناك بداية للإصلاح قبيل مجيء مارتن لوثر، فلقد كان هناك مصلحان قبل لوثر يجدُر ذكرهما في القرن الرابع عشر وهما: (المصلح جون ويكليف من انجلترا، والمصلح جون هس من بوهيميا)، فلقد تأثر كل منهما بهذا الوضع الذي وصلت إليه الكنيسة، وتحديا البابوية في أمور عدة تتعلق بالسلطة واللاهوت، فصدر ضدهما الحكم بالحرمان، وقد تم استشهاد جون هس حيث تم إحراقه على قائم خشبي يوم 6 يوليو 1415م.

وكان أيضًا من الظروف التي ساعدت على الإصلاح هو أمر اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر على يد “يوهان جوتنبرج” حيث كان لها عظيم الاثر في الإصلاح، فقد تم طباعة الكتاب المقدس وتوزيعه، فكل هذه الظروف ناهيك عن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية آلت بشكل مباشر وغير مباشر إلى الإصلاح.

فبدأ التيار اللوثري هكذا بظهور مارتن لوثر والذي قاده صراعه المستمر مع (رومية 1 : 17) إلى اكتشاف عقيدة “التبرير بالإيمان”. ومن هنا بدأ يتولد داخله الرفض والاحتجاج على الأوضاع الخاطئة والمعتقدات المضلة المنتشرة في الكنيسة، مما أدى به إلى الوصول إلى ضرورة إعلان احتجاجه أمام الجميع فعلق وثسقة مكونة من 95 احتجاجًا على باب كاتدراية ويتنبرج.

وكان قد ظهر في سويسرا أيضًا مصلحًا آخر ألا وهو “أورلخ زوينجلي” (1484 – 1531)، والذي عن طريقه انتشر فكر الإصلاح في كل زيورخ ومقاطعات أخرى أيضًا حتى وصل إلى معظم سويسرا.

أما التيار الرئيسي الثاني للإصلاح والمعروف بالتيار الإصلاحي تمييزًا له عن التيار اللوثري، فنراه يمتد عبر هولندا إلى انجلترا واسكتلندا ثم إلى أمريكا، ويرجع الفضل أيضًا في انتشار هذا التيار الإصلاحي إلى المصلح الفرنسي “جون كالفن” (1509 – 1564م ).

ويجب أن نلاحظ الفرق الواضح بين بداية الأمر الذي دفع لوثر للإصلاح وهو اختبار صراعه مع عقيدة التبرير في رسالة رومية، وبين بداية الأمر الذي دفع كالفن للإصلاح ألا وهو صراعه مع ما رآه من فشل وتراجع ملموس للكنيسة، فكان يأمل في ديانة حقيقية عمادها التقوى وتطبيق مباديء وتعاليم الكتاب المقدس بطريقة صحيحة مع التركيز على الوعظ والتعليم الكتابي وممارسة الفرائض الكتابية بشكل صحيح، فهذا التوجه جعله يترك وظيفته الكنسية التي سيق أن رتبها له والده بحسب استحسانه، ثم يواصل سعيه الدؤوب في مهمة الإصلاح حتى وصل إلى جينيف، والتي كان المصلح الفرنسي “فاريل” قد سبق فوصل إليها عام 1532م حيث أُقيمت هناك أول خدمة عشاء رباني حسب النظام البروتستانتي عام 1533م، وذلك بعد جهد كبير من “فاريل” في التبشير بالإنجيل بحسب فكر الإصلاح، وفي عام 1536م أصبحت جينيف بروتستانتية حيث دُعى في تلك السنة المحفل العام، وتم الإقرار فيه بالعيش بحسب تعاليم الإنجيل فقط، والتخلي عن كل الطقوس والممارسات التقليدية.

وبذلك كان هنا الجو مهيئًا أمام كالفن عند وصوله إلى جينيف، حيث كان “فاريل” قد وضع نواة الإصلاح هناك، فاستكمل كالفن المهمة من خلال عمله كواعظ بالكلمة المقدسة ومفسرًا لها، وأيضًا كراعي يقوم بخدمة العبادة المنتظمة، والمراسم الدينية في الزيجات، والجنازات، ومعمودية الأطفال، وحدث أنه بعد فترة ترك جينيف لكنه رجع إليها مرة أخرى بعد إلحاح كثير من فاريل وأهل جينيف عام 1541م حيث تم الترحيب به والاحتفال بعودته.

وهكذا بعد ذلك حدث أن كالفن قام بتطوير العبادة للكنائس المصلحة فوضع صيغة للعبادة كانت في ذلك الوقت نموذجًا ليتروجيًا معترفًا به للكنائس المصلحة في انجلترا واسكتلندا وأمريكا.

وكانت من أهم تعاليم كالفن هى: “معرفة الله ومعرفة أنفسنا، وأهمية المعرفة الحقيقية للكتاب المقدس”، وأيضًا: “الكتب المقدسة، التعيين السابق، سر الافخارستيا ووحدة الكنيسة”، وهناك الكثير من كتبه ومقالاته ومنشوراته.

وجدير بالذكر أيضًا أن نذكر مباديء الإيمان المسيحي التي نادى بها كالفن:

  • الفساد الكلي. 2- الاختيار غير المشروط.         3- الكفارة المحدودة.

4- النعمة التي لا تقاوم.              5- ثبات القديسين.

وهكذا انتشرت البروتستانتية بصفة عامة والكالفينية بصفة خاصة بصورة كبيرة جدًا ليس في انجلترا فقط بل في كل مكان بعد ذلك. والدرس لنا نحن أيضًا أن نكون شهود للحق في زماننا، وأن نقر بالعيش بمقتضى الدعوة التي دُعينا بها، وأيضًا بما يحق لإنجيل المسيح، فينتشر من خلالنا ملكوت المسيح، فنحمل كما حملوا مشعل التنوير وراية الإصلاح، فنثور على كل ظلمة وفساد، ونعطي مساحة للنور والحق أن يملك من خلال خدمتنا الأمينة التي أوكلها لنا السيد المسيح لنشهد ببشارة نعمة الله، وأيضًا أن نكون تلاميذ مخلصين للكلمة فنعكف على قرائتها ودراستها بعمق، وأيضًا على الوعظ منها بسلطان الروح القدس الذي يضمن ثمارها في النفوس التي تستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.