تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » راعوث عياد – الخروج من دائرة الراحة

راعوث عياد – الخروج من دائرة الراحة

الكاتبة

 الدكتورة آن زكي 

كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

الحلقة (15): راعوث عياد – الخروج من دائرة الراحة.
— من سلسلة “احكي لي يا كنيسة عن أمي المصرية”
مَن كان يتخيل أن تلك البنت الصعيدية التي كانت أصغر جميع إخوتها الشباب الثلاثة، والتي لم يسمح لها أهلها بالذهاب إلى مؤتمر حتى سن الخامسة والعشرين من عمرها وذلك لأن فكرة مبيت البنات خارج الدار يتنافى مع سلو أهل بلدها في سمالوط، من كان يتخيل أن يأتي اليوم الذي تبيت فيه تلك البنت “خارج الدار” كامرأة غير متزوجة في مناطق نائية من دول أفريقية يصعب على الرجال العيش فيها. هل كان لأحدٍ أن يتخيل ذلك؟ نعم، ذاك ما حدث مع تلك البنت الصعيدية التي علمت بمن آمنت، وصدقت المواعيد، فآمن أهل بيتها، بل وكل أهل بلدها، بدعوتها للإرسالية العظمى.
“كان عندي حاجة بتناديني مش مفهومة ومش عارفة ابعادها. كنت متأكدة ان الدعوة قصد الهي متشكلة في بطن امي بها. الدعوة كانت غريبة لأني كنت ماشية خطوات عادية، لكن جوايا صوت لقصة غير عادية. لكن احترت عشان مفيش نموذج اتبعه، وكأني كنت باخد فكر جديد. وكل ما كنت أصلي وأحاول أفهم كان الرب يطمني بالرسالة دي: “هتخدميني بالطريقة اللي أنا اخترتها.””
كانت هذه الدعوة “الغريبة” هي يقينية راعوث أن الرب قد دعاها لتكرس حياتها للخدمة بدون ارتباط، وكان محور صراعها ليس قبولها الشخصي للفكرة، ولكن كيفية إقناع الآخرين لقبول الفكرة في سياقها المجتمعي البسيط. “أنا مش من أسرة لها عقيدة طقسية في التكريس أو الرهبنة. في بيتي وكنيستي هي دعوة ملهاش ملامح وفي بلدنا ملهاش طريقة.” ولكن راعوث وثقت في هذا الصوت الداخلي ووثقت أكثر في تمهيد الرب لقلوب الآخرين لقبول هذه الدعوة الغريبة. اندمجت في حياة الخدمة في كنيستها المحلية في سمالوط، ومع الوقت بدأت الكنيسة تدرك مسحة مختلفة في خدمة راعوث، وتفاجأت عندما بدأ من حولها في ترديد عبارات مثل: “راعوث للخدمة”، “راعوث مش هتتجوز.” كانت تفرح عدما تسمع هذه العبارات لأنها كانت متأكدة ان الرب كان يمهد لها الطريق لما هو أكبر منها. “كنت اقف اتفرج على الرب بيعملها ازاي. الناس نطقت اللي جوايا من قبل ما أنا افصح عنه.” وتخص بالشكر هنا القس الراحل فاروق ناروز.
كان عام 1986 علامة فارقة في حياة وخدمة راعوث حيث اختبرت معنى حقيقة أن يُكَّيل الله ويملأ الشخص للخدمة، فكانت تجلس أمامه وتطلب وجهه لأنها كانت تعلم بأهمية أن يكون الملء بنفس قدر الدعوة. في هذه السنة الرب ائتمنها على شابات الكنيسة لتتلمذهم في الإيمان والخدمة، فاتبعت منهجية من قد سبق وتتلمذت على أيديهم مثل الشيخ عزت حنين والسيدة رجاء مكرم. قررت أن تأخذ مجموعة البنات في أول قافلة لهن في شرق قرية الطيبة، ثم تحركت بهن في قوافل لكل القرى المحيطة وحتى محافظة الفيوم، فاستخدمهن الرب في فتح كنايس مغلقة وتأسيس خدمة القوافل والكرازة والتلمذة في الكثير من قرى الصعيد. “عشنا امجاد مع الرب. كنا بنصرف على الخدمة من مصروفنا الشخصي. وكنا نتحرك لساعات متأخرة مع راعي الكنيسة وندخل بيوتنا على أطراف ارجلنا عشان ما نزعجش أهلنا.”
بعد تخرجها من كلية آداب قسم جغرافيا في عام 1988، عملت راعوث كمُدرسة في مدرسة في بلدها، وهناك استخدمها الله كشاهدة أمينة له في مجال التدريس. وفي عام 1993 بدأت فكرة التكريس والتفرغ للخدمة تتبلور عندما اشتركت راعوث في أول مؤتمر تحضره حيث تلقت تدريباً على خدمة الكرازة وتلمذة الشباب على يد الأخ عماد عزمي والأخ أشرف كامل والأخت نرجس والدكتور مجدي صموئيل وآخرين من رجال ونساء الله الأمناء. بعدها حضرت راعوث مؤتمراً آخر بعنوان (الخدمة والرؤية) وكان هذا المؤتمر بداية إدراك الدعوة للتفرغ، ولكنها صرفت 3 سنين أخرى تفكر وتصلي في الموضوع وهي مستمرة في عملها في التدريس. “على أخر ال3 سنين اتكسرت رجلي وكنت مجبرة أقعد 40 يوم في الجبص، وأنا اسأل وانتظر الرب ولا اجد الا الصمت، لكن بالرغم من الصمت كان سلام الله يملآ غرفتي وصفاء داخلي يغمر كياني.” في اخر ال40 يوم، وبعد فترات صلاة طويلة، عند خروجها من المنزل وجدت الأخ عماد عزمي ينتظرها ومعه ورقة استمارة الانضمام للخدمة كمتفرغة مع هيئة الخدمة الروحية.” وفي عام 1995 تحققت الدعوة التي طالما شعرت بها منذ أيام صباها. باركها الرب بسنين مليئة بالثمر والفرح والانطلاق مع انها كانت أيضاً سنين من الألم والصراع والتعب، لكن راعوث تعلمت أن تعيش برضا حتى وهي تذرف دموعها. بفضل نعمة الله، اتسعت خدمة راعوث مع فريقها ليأسسوا مكتباً في المنيا ضم 30 خادم وخادمة مكرسين لقطاعات مختلفة في اللخدمة. “انهارده كتير منهم خادمات وخدام وقساوسة مؤثرين في مناطق كتيرة داخل وخارج مصر. المجد للرب. من خدمة الكرازة والمتابعة والتلمذة عملنا كارنفلات كان بيحضرها الآلاف من الطلبة الجامعيين.”
ولكن بالرغم من كل هذا الإثمار والاتساع وسط الشباب، وبالرغم من حبها وامتلائها بالخدمة، الا انها كانت تشعر دائما أن هناك شيئاً أخر يجذبها له. “كنت دايماً اشعر “لا مش هو ده” وكتير كنت اطرح سؤالي أمام الرب “أنت جهزتني لشغل آخر؟” كان دايماً عندي حنين لأفريقيا من وأنا طفلة. كنت اشعر بسعادة خاصة في قلبي لما كنت أسمع برنامج الراديو (اذاعة حول العالم) بيعلن “من الخرطوم—السودان: ساعة الإصلاح”. في عام 2003، وهي تأخذ خلوة شخصية في دير بياض، قادها الرب لقراءة كتاب (الخروج خارج دائرة الراحة) للكاتب أدموند حجاي. وبترتيب الهي عجيب، تزامن هذا الوقت مع تلقيها دعوة لزيارة السودان. فطلبت أجازة شهرين من عملها في هيئة الخدمة الروحية، وذهبت الى السودان لأول مرة في سنة 2003. بدأت رحلتها بزيارة احد معارض الكتاب المقدس حيث فتح لها الرب مجال واسع للحوارات والنقاشات مع زائرى المعرض يومياً حتى ميعاد إغلاق المعرض،حتى أن بعض الزائرين كانوا يأتون خصيصاً ليحاوروها “وين راعوث المصرية؟”. بعدها سافرت إلى منطقة القضارف في شرق السودان وشاركت في النهضة في الكنيسة الإنجيلية والأرثوذكسية هناك مع الأقباط والاحباش، كما اشتركت في زرع كنائس وقوافل طبية وزيارات في البيوت والسجون والمستشفيات وقدمت أيضاً تدريبات للقادة.
عادت بعد هذه الرحلة من السودان وهي متيقنة من دعوتها للعودة والخدمة في السودان، وبناء عليه طوت صفحة خدمتها مع هيئة الخدمة الروحية وانطلقت الى السودان. عند عودتها قررت زيارة جبال النوبة حيث ملأ الرب قلبها بتأكيد واضح على قرارها للانتقال الى السودان. “أول بيت دخلته هناك كان نفس البيت اللي شفته في رؤية في 1986، ماكنش بس شكل الجبل والبيت زي اللي شفته، لكني كمان عرفت اسم ربة المنزل قبل ما اقابلها لأني كنت ناديت عليها بأسمها في الرؤية. فتخيلي كم سعادتي لما صديقتي ندت عليها من بره باب البيت: “افتحي يا ست فاطمة”.”
ظلت راعوث في السودان منشغلة بخدمة الكرازة والزيارات والعمل المرسلي لمدة 9 سنين، رأت فيها آيات ومعجزات وسط كنائس إنجيلية وارثوذكسية، حتى دفعتها احداث 30 يونيو 2013 في مصر، وتبعاتها على الحكومة السودانية، إلى ترك السودان والرجوع الى مصر بعد التحفظ على جواز سفرها وكل ما للخدمة من ممتلكات وإجراء تحقيقيات عنيفة معها لمدة 7 شهور اسفرت عن طردها من السودان مع كثير من الخدام. لم تطل فترة بقائها في مصر، فقد كان الله يعدها لمغامرة جديدة معه، هذه المرة في دولة افريقية اخرى: تشاد. بدأت الدعوة للخدمة في تشاد تظهر في 2010، وهي محتارة بين التحرك نحو اريتريا حيث كان لها خبرة مشجعة في توزيع الكتاب المقدس بلغتهم في السجون السودانية على الحدود بين البلدين، أو التحرك للخدمة في تشاد. فجأت اللحظة الحاسمة للخروج مرة أخرى خارج دائرة الراحة وقررت السفر لتشاد في 2014.
عند وصولها سرعان ما شعرت راعوث بنقلة نوعية ليس فقط في جغرافية دعوتها، لكن ايضاً في شكل الدعوة. فبينما عملت في العمل المرسلي وخدمة الكرازة في السودان، كان الاحتياج الصارخ في تشاد بجانب خدمة الكنيسة هو لخدمة العمل المجتمعي التنموي، وخصوصاً في مجال التعليم. ففتح الرب عيناها وقلبها على قرية بدائية جداً اسمها جيغهيمه في صحراء العاصمة انجامينا، يسكنها قبائل افريقية مسلمة ذوي جذور عربية. وبالرغم من أن تاريخ القرية يرجع الى 150 سنة، لكن كلهم أميِّون بما فيهم حاكم القرية لعدم وجود مدرسة في القرية، وبُعد أقرب مدرسة ابتدائية حكومية عنها بمسافة 4 كيلومتر.
فجاء الحاح الدعوة بتأسيس مدرسة ابتدائية لأطفال القرية، فحلمت راعوث على قدر امكانياتها البسيطة وقتها ببناء عشة بسيطة وفرش حصيرة لتعلم التلاميذ أساسيات القراءة والحساب. “بس خفت أن البقر ياكل العشة. فصليت وطلبت الرب بإيمان.” وفي عام 2015 باركها الله بأرض أقامت عليها مبنى يتسع لفصلين. وفي خلال شهور تم شراء أرض أضافية فأقامت عليها فصلين اضافيين ومكتب، وبذلك أسست راعوث أول مدرسة ابتدائية في القرية وأطلقت عليها اسم (بئر سبع / بير شيبا) نسبة الى قصة هاجر المصرية في الصحراء.
تُقدم مناهج المدرسة باللغة الفرنسية بحسب اللغة الرسمية للبلاد، بالإضافة إلى تعليم اللغة الانجليزية والعربية. وأصرت راعوث على تعليم التلاميذ مهارات الكمبيوتر، بالرغم من عدم وجود كهرباء في القرية. فقررت راعوث شراء عدد من الكمبيوترات الشخصية (لاب توب) وشحن بطارياتها كل ليلة، حتى يتدرب التلاميذ عليها خلال النهار في المدرسة. تقدم المدرسة أيضاُ وجبة غذائية يومية، وانشطة ورحلات دورية. ومن الجدير بالذكر هو اهتمام المدرسة بالأهالي ايضاً من خلال إقامة ندوات توعية لهم تتعلق بالأمور التربوية والأسرية، كما يقوم المدرسون بزيارة التلاميذ في بيوتهم للمتابعة، وأيضاً تستضيف المدرسة أهالي التلاميذ على إفطار رمضاني كل عام. ولكن أكثر ما يميز التعليم في المدرسة هي حصة “قصص الكتاب المقدس” التي تُقدم 3 مرات في الأسبوع حيث يتعلم التلاميذ من خلالها قصص الأنبياء وقصص عيسى المسيح.
اليوم وبعد مرور 6 سنوات على تأسيس المدرسة، كبرت المدرسة لتضم 6 فصول و300 طفل و6 مدرسين متفرغين. احتفلت المدرسة العام الماضي بتخريج أول دفعة لها من الصف السادس الابتدائي، لينضموا الى المرحلة التالية في تعليمهم في أقرب مدرسة إعدادية والتي تبعد 15 كيلومتراً. بسبب سمعتها الممتازة فيما تقدمه من تعليم وتربية اخلاقية متميزة، جذبت المدرسة تلاميذ من القرى المحيطة، فيوجد من التلاميذ من يسير 3 ساعات للوصول للمدرسة في درجات حرارة شديدة. تحلم راعوث بشراء ميكروباص لتسيهل تنقلات التلاميذ، كما تحلم بتوسيع المدرسة لتضم المرحلة الإعدادية أيضاً. ترفع راعوث كل الشكر للرب أولاً، ثم إلى كل من دعمها ودعم المدرسة بكل ما باركهم به الرب من امكانيات روحية ومادية وبالأخص الفاضل الشيخ عزت حنين وزوجته السيدة الفاضلة ناهد عياد والفاضل الشيخ فايز اسحق وخدمة جسور.
“فعلاً اليوم يوم بشارة ونحن ساكتون. إن انتظرنا للصباح يصادفنا شر. هو زمن افتقاد. في فرصة لاستغلال لساننا وثقافتنا العربية. لازم نلحق قبل ما اللي حصل في السودان يحصل في تشاد. لازم نشجع على العمل المرسلي. احنا مش ناقصنا حاجة في مصر: عندنا التعليم وعندنا القيادة. إحنا مؤهلين أكثر من المرسلين الأوربين. الكنيسة مكرمة من الحكومة التشادية والحكومة بتشجعها على إقامة مشروعات زي المدارس والمستشفيات. وكمان الكنيسة التشادية بتحب الكنيسة المصرية. عندنا مقومات حلوة لازم نستغلها. تعداد تشاد 15 مليون، 35% مسيحين، 35% مسلمين، و30% وثنيين. الاحتياج كبير جداً. ادخل في الأبواب المفتوحة، انفض خوفك، شدد عزيمتك، والرب بنفسه معك ويسير أمامك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.