تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » أسلحة الموت: القلق واليأس والشعور بالذنب – المصلح مارتن لوثر

أسلحة الموت: القلق واليأس والشعور بالذنب – المصلح مارتن لوثر

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

“أسلحة الموت: القلق واليأس والشعور بالذنب”

المصلح مارتن لوثر

 

أطلق مارتن لوثر، على مشاعر القلق واليأس والشك والشعور بالذنب والخوف ، اسم “أسلحة الموت”. كما أطلق عليها اسم شياطين. اختبر لوثر، أن تلك المشاعر تجعل الانسان يلامس الموت بقوتها السوداوية اذ تفرض نفسها على نفوسنا. قال: “أسلحة الموت هذه، تجعلنا فريسة للقلق والاضطراب، أكثر من أي عدو شخصي”. لخّص المؤرخ جايمس كيتلسون، كاتب سيرة مارتن لوثر الشخصية، عمل لوثر ، بقوله، “إن مهمّة لوثر الأولى، كانت أن يريح ضمائر المؤمنين المضطربة. فاختباره مع اضطراب ضميره الشخصي الذي تعذّب في السياق الديني الذي عاش فيه، ساعده كي يحرّر الآخرين من هذا العذاب. قال لوثر، “خدمة الضمائر المضطربة هي خدمة الانجيل، لأن الانجيل هو المصدر الوحيد للتعزية وقت الاضطراب”.

في كتابه “حياة مارتن لوثر واللاهوت”، يظهر الكاتب كارل ترومان، الارتباط الوثيق بين، المعتقدات الدينية وتأثيرها على صحة مارتن لوثر العقلية والنفسية، وذلك في مرحلة ما قبل تعرّفه على عقيدة التبرير بالايمان، ومرحلة ما بعد تعرفه عليها. عندما دخل لوثر الى الدير الأوغسطيني، عاش في السنين الأولى حالة عقلية ونفسية صعبة، تمظهرت من خلال القلق واليأس والخوف، والشعور بالذنب، والشكوك الكثيرة، بسبب نوعية التعليم والوعظ الذي كان رائجا في كنيسة القرون الوسطى. ترعرع في وسط، سلّط الضوء على رعب العذاب الابدي في جهنم. وصف الكاتب جون دولون، طبيعة الوعظ والتعليم في ذلك الزمان ، فقال “وعظ كهنة الكنيسة، كان مليئا بوصف الاشجار المحترقة التي علّق عليها الناس الذين لم يحضروا القداديس، والبحيرات التي تغلي مياهها لاستقبال الجاحدين، والأفاعي السامة التي تلسع غير المقدسين”. فالنصوص الكتابية كانت تمزّق من سياقها الروحي والتاريخي ويشوّه معناها، ليقدم هذا النوع من التعاليم. في كتابه “بحث لوثر عن الشفاء”، أظهر الكاتب وليم جايمس، ان لوثر كان يحاول جاهدا ان يتحرر مما وصفه القديس يوحنا الصليب “ليلة النفس السوداء”، ليصل الى الشفاء. حاول لوثر في السنوات الاولى التي دخل فيها الدير أن يحسّن بل يشفي حالته العقلية والنفسية، من خلال الالتزام الكامل بقوانين الرهبنة الأوغسطنتية التي عرفت بصرامتها. قال ،”أعتقد أني كنت راهبا جيدا. فاذا كان هناك من أحد يدخل السماء بالتزامه بقوانين الدير، كنت سأكون انا هو”. كان يصلي سبع مرات في اليوم في أوقات مختلفة. يصوم حتى مرحلة الموت، اذ كان يقضي ثلاثة أيام دون نقطة ماء أو قطعة طعام. يواظب على الاشتراك في أسرار الكنيسة. اختار أحد وعشرون قديسا ليصلي لثلاثة منهم كل يوم في الأسبوع. الاّ أنه رافقه شعور مستمر في الخطية، فكان يقضي حوالي ست ساعات في الاعتراف لصديقه الراهب الأب ستوبيز في وقت واحد. وقد حاول الراهب ان يهدىء من اضطراباته، بقوله له، “هذه الخطايا التي تعترف بها هي خطايا صغيرة وغير مهمة …اذا كنت تتوقع من المسيح أن يغفر لك، اعترف له بخطايا تستحق الغفران مثل: التجديف، الزنى، السرقة ،وغيرها من الخطايا بدلا من تلك الخطايا الصغيرة. لكن بعد كل هذا، يعود لوثر ليؤكد، بأن كل ما قام به لم يحسّن من حالته النفسية والعقلية، ولم يشعر بسلام الضمير.

عندما اكتشف مارتن لوثر، عقيدة التبرير بالنعمة وحدها بواسطة الايمان وحده، تغيّر مفهومه عن الله، ومعها تغيّرت حالته النفسية والعقلية. اكتشافه هذا عن طبيعة من هو الله، حصل عليه، بعد دراسته المعمّقة للكتاب المقدس، في البرج حيث كان يقضي وقته في دراسة الكلمة. وبالتحديد بعد فهمه لقول الرسول بولس في رسالته الى أهل روميه (1: 16 و 17)، “لأني لست أستحي بانجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني، لأن فيه معلن بر الله، بايمان لايمان، كما هو مكتوب “اما البار فبالايمان يحيا”. تصارع لوثر مع عبارة بولس حول “برّ الله”. قال لوثر، “هذه العبارة، أغضبتني وازعجتني وأرعبتني، وسببت لي الاضطراب، لأنها تصف طبيعة الله، كقاضي ديّان وحاكم بلا رحمة، يسعى للثأر ومحاكمة الشرير”، وأضاف، ” لم احب ذلك الاله الذي يقاصص الخطاة بهذه الطريقة”. هذه النظرة السلبية الى الله، قادته الى رثاء نفسه. الا أنه وبعد تأمله ثانية وبعمق لاهوتي كبير في نفس تلك العبارة ليعرف حقيقة قصد الرسول بولس في وصفه لطبيعة الله، تغيّر مفهومه عن الله، ليكتشف معنى جديد. أوصله الى الاستنتاج، بأن عبارة “بر الله”، ليست وصفا لغضب الله ، لكنها تصف: رحمة الله ونعمة الله وصلاح الله. أدرك لوثر أن “برّ الله” يتضمن غفرانه لخطايا، وخطايا كل الذين يتقدمون منه بالتوبة بالايمان وحده بواسطة النعمة وحدها. وعند توقف لوثر عند الجزء الثاني من الاية، “أما البار فبالايمان يحيا”، فهم، أنه اذا ما اردنا ان نعيش حياة البر، لنكون أبرارا أمام الله، علينا ان نعيش بالايمان. واذا ما كان برّ الله يساهم في خلاص الذين يؤمنون، هذا يعني أن الخلاص لا يستند على استحقاقاتنا، وانما على رحمة ونعمة وصلاح الله.عندها أدرك لوثر أن التخلص من أسلحة الموت التي هي القلق واليأس والخوف والشعور بالذنب والشكوك، لا تحصل بجهود الانسان الشخصية ولا بالالتزمات الرهبانية، بل بالايمان وحده. ونيل برّ اللله. فبرّ الله، ليس هو برّ شخصي، وليس هو مكافأة، ولكن هذا البر يأتي فقط من الله. قال لوثر “بعد ان توصلت الى معرفة حقيقة طبيعة من هو الله الذي أؤمن به، انتعشت روحي، لأنني أدركت أننا مبرّرون ببرّ الله، ومخلّصون بواسطة يسوع المسيح. فنفس تلك الكلمات، التي أرعبتني وسببّت لي الغضب والاضطراب والقلق واليأس والشعور بالذنب، اصبحت الكلمات المحببة الأكثر على قلبي وحياتي. فالروح القدس كشف لي عن معنى تلك الكلمات، عند دراسة كلمة الله في ذلك البرج”. في كتابه “مارتن لوثر الشاب”، ذكر الكاتب اريك اريكسون، ان صراعات لوثر النفسية والفكرية وتساؤلاته الكثيرة كانت سبب شفاءه ، وفي نفس الوقت كانت سبب نجاحه كراعي ولاهوتي، ومصلح كبير.

يؤكد عدد من المحللين النفسيين، الذين درسوا كتابات واختبارات مارتن لوثر، أن هناك ارتباطا مباشرا بين طبيعة مفهوم الانسان عن الله، وحالته العقلية والنفسية. فايمان الانسان باله غاضب غير رحوم، يؤدي الى سوء الصحة العقلية والنفسية. بينما الايمان باله منعم ورحوم وغافر وصالح، يمنح الصحة العقلية والنفسية الجيدة للانسان المؤمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.