تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » تفسير المصلح جان كلفن لظاهرة محيّرة رافقت موت المسيح

تفسير المصلح جان كلفن لظاهرة محيّرة رافقت موت المسيح

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

تفسير المصلح جان كلفن لظاهرة محيّرة رافقت موت المسيح

 

والقبور تفتّحت، وقام كثير من أجساد القديسين. وخرجوا من القبور بعد قيامته” (متى27: 52-53).

 

ظاهرة محيّرة رافقت موت المسيح بحسب رواية البشير متى، حيّرت مفسّري الكتاب المقدس على مدى العصور يذكر البشير متى، واصفا لحظات موت المسيح على الصليب: “فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح. واذا حجاب الهيكل قد انشقّ الى اثنين من فوق الى أسفل، والأرض تزلزلت، والضخور تشقّقت، والقبور تفتّحت، وقام كثير من أجساد القديسين. وخرجوا من القبور بعد قيامته. ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين. (متى27: 50-53). فما المقصود لهذه الظاهرة التي لم يذكرها سوى إنجيل متى، من بين الأناجيل الأربعة؟

تفاوتت التفسيرات. وتساءل العديد من المفسّرين، عن هوية اأولئك القديسين الراقدين الذين فتحت قبورهم وقاموا أثناء حدث موت المسيح على الصليب، أتوقف عند ثلاثة تفاسير:

الأول، رأى البعض أن استخدام مصطلح “القدّيسين”، هو الاستخدام الأول في العهد الجديد، لأن المصطلح لم يكن يستخدم في العهد القديم. اعتقد أولئك المفسرون أن المقصود بهم ، آباء وأنبياء العهد القديم، مثل: إبراهيم وإسحق ويعقوب الذين قاموا قيامة مؤقتة، شبيهة بإقامة يسوع للعازر وابنة يايرس، وغيرهم الذين بعد أن أمضوا بعض السنين على قيد الحياة، فإنهم عادوا وماتوا ووضعوا في القبور.

الثاني، رأى آخرون أن هذه الظاهرة هي مشهد رؤيوي، شبيه بالمشهد الذي رآه التلاميذ: بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل التجلي، اذ رأوا :النبي موسى، والنبي إيليا، عندما كانوا في رفقة المسيح في وقت تجلّيه.

الثالث، للمصلح جان كلفن، الذي في تعليقه على هذه الظاهرة، قال: “كانت معجزة مؤثّرة، أعلن من خلالها الله، أن ابنه يسوع دخل سجن الموت، ليس ليكمّل مسجونًا فيه، لكن ليحرّر المسجونين. لأنه في الوقت نفسه، الذي ظهر فيه الضعف الإنساني الشديد في جسد المسيح، فان قوته الإلهية إخترقت الهاوية. فانه في حين كان على وشك، أن يغلق عليه القبر، فتح القبور الأخرى”. يتابع كلفن، “لا ندري تمامًا، إن كان فتح القبور، قد حدث قبل قيامته. لكن أعتقد أن قيامة القدّيسين الراقدين قد حدثت بعد قيامته. اذ تذكر الآية التي تلت: “وخرجوا من القبور، بعد قيامته” (متى27: 53). ثم صرّح قائلا، “مع أن بعض المفسّرين، يعتقدون أن ما حدث، قد حدث مباشرة بعد موت المسيح، لكن التساؤل يبقى: هل من الممكن، أنه بعد أن أرجع المسيح الحياة للراقدين، وأعاد لهم القدرة على التنفس، يبقون ثلاثة أيام مخبّأين في قبورهم؟” يجيب كلفن: “أعتقد أن الاحتمال الأكبر، هو أنه عند موت المسيح واسلامه الروح للآب، فتحت القبور مباشرة. وبعد قيامته من الموت في اليوم الثالث، أقامهم، فخرجوا من القبور. وهذا ينسجم مع قول الرسول بولس، أن المسيح: بكر من الأموات، “هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدّمًا في كل شيء” (كولوسي1: 18). وباكورة الراقدين، “ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات، وصار باكورة الراقدين” (1كورنثوس15: 20). فالمسيح بموته، إبتدأ الحياة الجديدة. وبقيامته أكملها.

يتابع كلفن،” لكن يبرز سؤالا أساسيا؟ : لماذا قرّر الله أن يقيم، فقط عددًا محدودًا من أجساد القدّيسين الراقدين، كون أن المشاركة في قيامة المسيح، هي بالتساوي لكل جماعة الإيمان، وليس لعدد محدود؟”. ثم يجيب: “بما أن الوقت لم يحن بعد، لأن يتّحد كل أعضاء جسد الكنيسة في الرأس، الذي هو المسيح. فإن ما قام به، كان مجرّد نموذج لقوة الحياة الجديدة التي سيمنحها المسيح لجميع محبّيه، في القيامة في اليوم الأخير. فالمسيح صعد الى السماء، على أساس أن تكون حياة أولاده مستترة ومخبّأة فيه، الى أن يُظهرها في المجد، كما قال الرسول بولس، لأعضاء كنيسة كولوسي، ” لأنكم قد متّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد” (كولوسي3: 2-4). وبالتالي، فان ما قام به المسيح، بإقامة عدد محدود، هو كيما يبقي أذهان وقلوب جماعة الايمان، مفعمة بالرجاء، كون أن القيامة تنتظر الجميع. الاّ أنه منحها للبعض، في هذا الوقت، ليس لأنهم أفضل من الآخرين، لكن لتكون مثالاً حيًّا، عن قوة قيامته التي تقيم أجساد القديسين الراقدين”.

في نهاية، تعليقه، يقول كلفن: “لكن برز أيضًا سؤال أصعب، هو ماذا حدث لأولئك القدّيسين بعد ذلك؟ لأنه قد يكون غير منطقي، أن نفترض أنه بعد أن منحهم المسيح فرصة المشاركة في قوة الحياة، أن يرجعوا ثانية الى التراب، والقبور بهذه السهولة. وهذا لن يكون دليلا عن القيامة الكاملة “. وهنا يتوقف كلفن ليقول، “لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال الصعب، فالبشير متى يذكر، أنهم ظهروا لكثيرين، لكن لا بد أن هذا الظهور كان لفترة وجيزة، غايته التأكيد لأولاده الآخرين، عن يقينية الحياة السماوية، لأنه في اليوم الأخير، سيقيم الأشرار للدينونة، والأبرار للحياة الأبدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.