تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » حيرة العقل أمام الصليب – المصلح مارتن لوثر

حيرة العقل أمام الصليب – المصلح مارتن لوثر

grave, sky, cross-674443.jpg

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

حيرة العقل أمام الصليب
المصلح مارتن لوثر

قال المصلح مارتن لوثر، ” أعلن الله عن نفسه في طريقة غير متوقّعة، هي الصليب. وفي مكان غير متوقّع، هو الجلجثة. لكن الأمر الغريب جدًا حول هذا الاعلان الالهي، أنه ليست الطريقة ولا المكان الذي نتوقّع أن نجد فيه الله القدير”. من الآيات التي توقّف عندها، “حقًا أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل المخلّص” (إشعياء45: 15). قال لوثر، “الله، غير المرئي، مغلّف بظاهرة الصليب الخفية على العقل”. آمن أن الجلجثة، هي موقع تجلّي الله المحجوب وسرّ الحقيقة النهائية. قال، “لا نجد السمو الالهي في الأعلى في السماء، وانما في الأسفل في خزي الصليب. ولا يبدأ الايمان المسيحي من أعلى القمة، لكن من أسفل القعر. فلا أحد يستطيع تجاوز الصليب، ليكتشف الله المجرّد. فالاعتراف بالسمو الالهي في الصليب، يختلف عمّا قد يكون صحيحًا حول الله في الفلسفة. اعتقد لوثر أن الله الحقيقي، يظهر محجوبًا في ما يبدو معاكسا له ولحقيقته. لهذا، يقف العقل مرتبكًا أمام الصليب، كيما يتبرّر الانسان بالايمان وحده وليس بالعقل”.
آمن لوثر، أن الله لم يحتجب فقط في الصليب وفي ضعف ابنه المصلوب، لكنه احتجب أيضًا خارج اعلانه عن نفسه في المسيح. وهذا الاحتجاب الثاني، هو الذي يدفعنا لطرح الكثير من الأسئلة التي لا نفهمها في هذه الحياة، لا سيما الأسئلة حول الآلام والأمراض والظلم والموت، وغيرها من الأسئلة الشائكة التي نرى فيها الله محتجب عنّا، ولم نعطَ سرّ إدراكها وفهمها”. قال لوثر، “في الاحتجاب الثاني، لا نرى الله في كلمته الموحى بها، وإنما ما وراء كلمته. هذا الاحتجاب، يشكّل الإشكالية الكبرى للبشر في فهمهم طرق الله والطريقة التي يحكم فيها الكون. وقف في حيرة، قائلا: ” إذا ما كان الإله المحتجب خارج كلمته هو إله حقيقي وحرّ ومجهول لنا، فإنه يبدو وكأنه إله آخر مختلف عن الإله الذي أعلن عن نفسه في الصليب. فالله المحتجب في الصليب هو إله رحوم منعم يدعو الجميع الى معرفته واختبار خلاصه في ابنه المصلوب. يبدو لنا أن هناك نوعًا من عدم الانسجام بين الله المحتجب في الصليب المعلن في الكتاب المقدس، والله المحتجب خارج الكتاب المقدس. فالله المتجسد في يسوع المسيح، يبكي ويحزن بسبب هلاك غير المؤمنين. بينما الله المحتجب خارج الكتاب المقدس، يسمح بحدوث هذا. الله المتجسد في يسوع المسيح، يفتّش عن الضال، بينما الله المحتجب يسمح بضلاله”. ثم يسأل لوثر: “هل احتجاب الله في الصليب، هو قناع يحجب الله الحقيقي المحتجب خارج الصليب، أم بالعكس؟
يدين لوثر مساءلة مقاصد الله الخفية عن ادراكنا، ويعتبر أن البقاء في المساءلة يتحوّل الى شكل من أشكال الوثنية. آمن، أن الله حرّ الارادة ولا أحد يقيّد ارادته. قال: “لن نفهم هذه الأمور إلاّ في الدهر الآتي. إذ ما يبدو متناقضًا لنا اليوم في عتمة الحاضر سيقوم المسيح بتوضيحه في نور المجد. لكن علينا أن نؤمن بإله عادل، بالرغم من كل الامور التي تبدو انها غير عادلة”. يعرّف لوثر طبيعة الايمان، فيقول “ما يجب أن نؤمن به، يجب أن يكون محتجبًا ليكون هناك مساحة للإيمان. يحجب الله رحمته الأبدية، تحت غضبه الأبدي. ويحجب صلاحه، تحت عدم صلاح. فما قد يبدو معاكسًا لرحمة الله، ربما يكون المساحة والحقل الذي يعمل فيه الايمان”. وأضاف: “إذا ما استطعت بكل الوسائل المتاحة، أن أفهم كيف أن نفس الله الرحوم والعادل، يمكن أن يظهر غضبه ويبدو لنا انه غير صالح وغير عادل، فلن يكون هناك حاجة للايمان. الايمان محوري، ليس فقط لرؤية الله محتجب في الصليب، ولكن أيضًا محتجب خارج الصليب”. دعا لوثر جماعة الايمان الى التفريق بين الله الذي نعظ به من الكتاب المقدس والله المحتجب. بين الله في الكلمة والله خارج الكلمة. قال، “من الأفضل لنا أن نبقى عند مذود المسيح الانسان، لأن هناك خطرًا كبيرًا في زجّ نفوسنا في أسرار الكيان الالهي”. لم يفسّر لوثر، كيفية الوصول الى معرفة الله المحتجب، لكنه يضعه عند اقدام الايمان. قال: “إذا ما كان لك الايمان ، سيكون لك الله المحتجب. فالايمان هو المفتاح الذي يفتح أسرار الكون وصراعات الوجود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.