تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » صعود المسيح

صعود المسيح

الكاتب

 القس عيد صلاح

راعى الكنيسة الإنجيلية بعين شمس

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر  

صعود المسيح

 (أعمال الرسل 1: 1-14، فيلبي 2: 5-11)

          تعتبر حادثة الصعود مرحلة هامة وحاسمة في دراستنا لشخصية المسيح، فالصعود لا يقل أهمية عن التجسد، والصلب، والموت، والقيامة، وهي-أي الصعود-تحتل مكانة كبيرة في الفكر المسيحيّ. والمشكلة التي تواجهنا هي إننا نهتم بتجسد المسيح ولا نهتم بصعود المسيح مع أن كلاهما مهم وأساسي في الإيمان المسيحي، فقد عبر قانون الإيمان بالقول: “وصعد إلى السماوات”

ومن الملاحظ كل السير الذاتية التي نقرأها مهما عظمت مكانتها وانجازاته تنتهي بالموت، أما سيرة المسيح بحسب الإنجيل هي السيرة الوحيدة التي انتهت بالقيامة والصعود. في الاحتفال بعيد الصعود يُقال: وأصلحت الأرضيين مع السمائيين، وجعلت الإثنين واحدًا، وأكملت التدبير بالجسد. وعند صعودك إلى السماوات جسدياً، إذ ملأت الكلّ بلاهوتَّك.

          حادث الصعود يشابه حادث التجسد، ويشابه حادث المجيء الثاني للمسيح فكلها حوادث مرتبطة ببعضها البعض، وهي وسط ما بين التجسد والمجيء الثاني. تحتفل بعض الكنائس في الخميس السادس بعد أحد القيامة بهذه الحادثة ويُطلق عليها “عيد الصعود”. والفكرة الأساسية في الصعود هي كما قال الرسول بطرس “فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللهُ وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذَلِكَ. وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ سَكَبَ هَذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ.” (أع 2: 32-33)

في القيامة كسَّر المسيح قيود الموت، وفي الصعود عاد المسيح على مكانه الأصلي يمين القوة والعظمة في الأعالي. يقول كاتب الرسالة إلى العب: “فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ.” (عب 4: 14). جاء المسيح من السماء لكي يخلصنا ويحررنا من خطايانا، ورجع إلى السماء في قوة، وانتصار، ومجد، وعظمة، فحقق وأنجز خلاصنا.

          القيامة نتيجة الصليب، والصعود نتيجة القيامة، ورحلة القيامة والصعود رحلة مستمرة تعبر عن الحالة الروحية التي تجتازها الكنيسة يومًا بعد يومٍ، فعندما قام المسيح كم يعبر عن ذلك الرسول بولس: “وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أف 2: 6). ترجع أهمية الصعود إلى:

  • الصعود غيَّر مفاهيم التلاميذ عن المسيح
  • الصعود حمَّل التلاميذ المسئولية
  • الصعود زاد من أمر التكليف للكنيسة
  • الصعود أعطى المسيح مكانته المتميزة والفريدة
  • الصعود فتح بركة عظيمة أمام الكنيسة (حلول الروح القدس)
  • الصعود بدّل الاتجاه الفكري للتلاميذ

أولاً: الصعود غيَّر مفاهيم التلاميذ عن المسيح

          حادثة الصعود غيَّرت من مفاهيم التلاميذ عن شخص المسيح، حسب المنطق والفكر البشري تعامل التلاميذ مع المسيح من منطق لا أؤمن إن لم أرى، وكان الرب يسوع حريصًا في الأربعين يومًا التي قضاها مع الكنيسة أنْ يعلّمهم عن أمور كثيرة مختصة بملكوت الله. كان فكر التلاميذ محدودًا بمكان وزمان معين وكانوا يميلون إلى المحسوسات. ولكنا نرى في الصعود أنَّه حول نظرة التلاميذ من التركيز على المادي والمحسوس والملموس إلى التركيز على الثقة واليقين والإيمان بدون رؤية، وتوما خير دليل على ذلك حيث “قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا.” (يو 20: 29)، وهذا ما دفع الرسول بولس لكي يصيغ هذا الأمر الرائع: “لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ.” (2 كو 5: 7). نعيش بالإيمان ويثبت الإيمان فينا: “أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ.” (1 كو 13: 13).

ويُعبِّر حادث الصعود أنَّ المسيح موجود في كل مكان وزمان. “فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ.” (عب 7: 25). كما أن له السيادة والسلطان: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ” (مت 28: 18).

ثانيًا: الصعود حمّل التلاميذ المسئولية

          رجع التلاميذ من الجبل “جبل الصعود” تركوه، ذهبوا إلى العالم بسرعة، وبدون تردد، وعظوا، وعلموا بالأخبار السارة، صعد المسيح لكي تبدأ عملية تجسّد جديدة في حياة الكنيسة. فأصبحت الكنيسة تمثل فكر المسيح، ويد المسيح، وعين المسيح حاملة للمنهاج الذي ميَّز المسيح في حياته والذي ارتكز على أساسيات ثلاث (التعليم، والكرازة، والشفاء)، وقد عبَّر متى على ذلك بالقول: “وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ.” (مت 9: 35).

 فُطِمَ التلاميذ روحيًا بعد صعود المسيح وذهبوا للحياة العملية حاملين مسئولية الكرازة والبشارة دون خوف أو خجل. “… وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً…” (أع 1: 8). إنَّ الكلام الذي كانوا يسمعونه من قبل-من المسيح-هو الآن أصبح أمرًا واقعيًا وحتميًا، وهذا ما طبقته الكنيسة منذ اللحظات الأولى وحتى الآن من منطلق المسئولية العظيمة التي وضعها الرب يسوع على عاتق التلاميذ. أمام الكنيسة مسؤولية عظيمة وعي أن تعلن الحق في الكرازة، وتثبت الحق بالتعليم، وتطبق الحق بالشفاء.

ثالثًا: الصعود زاد من أمر التكليف العظيم للكنيسة

          الصعود لا يعني أنَّ المسيح غائب عن العالم، ولكن في الصعود وبعد القيامة حطم المسيح حواجز الزمن (الوقت) والمسافات (الحدود)، وأصبح المسيح حاضرًا روحيا في حياة الكنيسة ولعل الظهورات التي كانت في الأربعين يومًا السابقة للصعود خير دليل على ذلك.

          أصبحت الكنيسة أمام دعوة هامة وتكليف عظيم هذا التكليف الذي شكل مهمة الكنيسة في كل الأجيال والعصور اللاحقة على صعود المسيح. ” لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ.” (أع 1: 8).

“فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ. (مت 28: 18-20).

          ومن النصّ السابق الوارد في متى الذي يتحدث عن الإرساليّة العظمى كما نسميها فهي أيضا التكليف العظيم وضمان تنفيذ هذا التكليف يتعلق بسلطان المسيح، ومعيته للكنيسة.

رابعًا: الصعود أعطى للمسيح مكانته المتميز

الصعود بين مكانة المسيح المتميزة “فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ.” (كو 3: 1). عاد المسيح إلى مكانته السامية الفريدة حيث جلس في الأعالي في يمين عرش الله في يمين العظمة، وهذا دليل على المكانة السامية الفريدة، والانتصار والمجد العظيم، وأصبح المسيح يسمع لنا “مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً الَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اللهِ الَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا!” (رو 8: 34).

 ويعبر كاتب الرسالة إلى العب بالقول: “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب 1: 3). وأيضًا يقول: ” وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1)، وأيضًا: “وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب 10: 12). ثم: “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.” (عب 12: 2).

ولعل مشهد الصعود يذكرنا بما ورد في (مز 110: 1) “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ.” فالعالم كله أثناء صعود المسيح بما فيه وضع تحت قدمي المسيح.

من خلال كل ما سبق من شواهد ودلائل تؤكد لنا أن بعد ما أنجز المسيح مهمته التي من أجلها عاد على مكانته السامية الرفيعة في السماويات. وهذه المكانة شاركنا فيها فنحن معه في السماويات بالرغم من وضعنا وحالتنا الضعيفة.

خامسًا: صعود المسيح فتح بركة عظيمة أمام الكنيسة

          كان الوعد: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ».” (أع 1: 8). صعد المسيح وأرسل الروح القدس لمواصلة المسيرة والحضور والتشجيع والعمل، الروح القدس (الله) الذي بفضله فهم الناس الرسالة، ويسكن في المؤمنين يقنعهم، ويعزيهم، يرشدهم، ويعلمهم. يوم الخمسين يوم حلول الروح القدس على الكنيسة أحدث انقلابًا فكريًا وروحيًا في تاريخ الكنيسة. وهدف الروح القدس هو مواصلة الكنيسة في إرساليتها وليس هو للتغني بالأفضلية الشخصية أو دعوة للتمايز والتفاضل بعضنا على بعض من خلال المواهب، فكافة المواهب الروحية تثتسمر في إرسالية الكنيسة.

سادسًا: الصعود بدَّل الاتجاه الفكري لدى التلاميذ

          الصعود شجع الكنيسة والتلاميذ على حياة الارتقاء والعلو والسمو، فأصبحت الكنيسة تطلب ما هو فوق وأصبح المسيح وهو في يمين عظمة الله يوجه ويحرك الكنيسة بل تربط عيون الكنيسة بسيدها. فتوجه البوصلة قد أختلف “فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ.” (كو 3: 1). طلب ما هو فوق والارتقاء عما هو دون أصبح اتجاه يميز حياة الكنيسة والمؤمنين. ونفكر ليس فيما هو آني ووقتي ولكن فيما هو قادم ومستقبلي: “لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ.” (عب 13: 14). ولنا اليقين الأبدي: “لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ.” (2 كو 5: 1). والميراث السماوي: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ”   1)بط 1: 3- 4)

لنفرح بالصعود الذي به أجلسنا المسيح معه في السماويات، وأعدَّ لنا المكان السعيد، الذي سبق فتكلم عنه، الذي هو جلوسنا معه عن يمين العظمة في الأعالي. لأننا في المسيح صرنا مصالحين مع الآب إلى الأبد، محفوظين برضا ورحمة القدير.

من القيامة للصعود عاشت الكنيسة مدركة دورها ورسالتها، وإذ تحيا الكنيسة القيامة والصعود لا تنسى الصليب أو الألم، ولكنها في كل الظروف الصعبة، ترتقي وتصعد وهذا هو الاختبار الروحي المستمر في حياة الكنيسة والأفراد.

من عظة مساء الأحد 5 يونيو 2022م

القس عيد صلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.