تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » عقيدة الثالوث إختبار إيمان، وليست تمارين عقلية

عقيدة الثالوث إختبار إيمان، وليست تمارين عقلية

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

عقيدة الثالوث إختبار إيمان، وليست تمارين عقلية

من أصعب العقائد في إيماننا المسيحي، عقيدة الثالوث. نعاني جميعا من صعوبة فهمها بتفاصيلها، وافهامها لأعضاء كنائسنا، وللآخرين. ليس من السهولة بمكان أن نفهم ونشرح، كيف أن الآب والإبن والروح القدس، هم ثلاثة أقانيم في الله الواحد. ان صياغة عقيدة الثالوث بشكلها الحالي، أخذت مئات السنين من التفكير والتحليل وصلوات آباء الكنيسة. تمت مناقشتها في مجمع نيقيا عام 325. ومن ثم في مجمع خلقدونية عام 451. الى أن تمّ الانتهاء من صياغة عقيدة الثالوث في قانون الايمان الأثناسي، وذلك في مجمع توليدو الرابع عام 633. يعتقد مؤرّخون أن قانون الايمان الأثناسي، كُتِب في القرن الخامس، إلاّ أنه لم يبرز إلاّ في مجمع توليدو الرابع. فبعد أن حاربت الكنيسة البدعة الأريوسية في القرن الرابع، برزت في القرن الخامس البدعة المونوفيزيتية، التي قلّصت شخص المسيح إلى طبيعة واحدة، التي لا هي إلهية كاملة، ولا إنسانية كاملة. وبالتالي، مزجت الطبيعتين بطبيعة واحدة غير واضحة. كما برزت أيضًا البدعة النسطورية، التي ركزت على الفصل والتمييز بين طبيعتي المسيح الإلهية والإنسانية، لتجعل من المسيح شخصين: شخص إلهي، وشخص إنساني. فانعقد مجمع خلقدونية عام 451، وأدان الهرطقتين: المونوفيزيتية والنسطورية، بتأكيده أن المسيح هو إله حقيقي وإنسان حقيقي. إله كامل وإنسان كامل. وأن الطبيعيتين، متواجدتان في شخص المسيح، دون أي إنفصال ودون أي إندماج. وإن كل طبيعة حافظت على سماتها. وقد تم تسجيل ذلك، في قانون الإيمان الأثناسي .

بالرغم من عدم معرفة معظم الانجيليين لقانون الايمان الأثناسي الذي يتضمن النص النهائي لعقيدة الثالوث، فقد تمسكّ به المصلحون الانجيليون، معتبرين أن له سلطة العقيدة التعليمية. وهو يجسّد العقائد التي آمنت بها الكنيسة الجامعة، عبر العصور في كل أجزاء العالم.

تتحدّث عقيدة الثالوث عن طبيعة الله وجوهر الله. وربَّ قائل: من يستطيع بفكره الإنساني أن يسبر غور كيان الله؟ أو لماذا يعنينا هذا الأمر؟ أليس بالأحرى بنا، أن نعالج المشاكل اليومية التي نواجهها في إيماننا المسيحي، بدلا من التكلّم عن عقيدة معقّدة، مثل عقيدة الثالوث؟ المشكلة في مثل هذا التفكير، تكمن في عدم ادراكنا، ان خلاصنا بيسوع المسيح، يتوقف على ماهية مفهومنا لشخص يسوع المسيح، الأمر الذي تشرحه عقيدة الثالوث. تؤمن الكنيسة أن الله كان منذ الأزل مثلّث الأقانيم. وهذه الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، هي في تواصل كامل وفي محبة كلّية منسجمة. فمع أن هذه العقيدة قد تكون مربكة لعقولنا، لكنها مريحة لقلوبنا، كونها تتمحور حول حقيقة خلاصنا في يسوع المسيح. عاشت الكنيسة خلال التاريخ متمسكة وبإصرار بعقيدة الثالوث، دون أن تفهم فهمًا كليا، لكامل مندرجاتها وتفاصيلها.

إن قبول الكنيسة لعقيدة الثالوث، نبع من قراءة عميقة ومعمّقة للكتاب المقدس، وكان المفتاح الرئيسي للإلتزام بهذه العقيدة، هو الإختبار الروحي. فمع أن صفحات الكتاب المقدس لم تذكر أبدًا كلمة “ثالوث،” لكن الاختبار الروحي لله، في أقانيمه الثلاثة في الحياة، هو الذي قاد الكنيسة الى التمسك بهذه العقيدة. إختبر مؤمنو ومؤمنات الكنيسة الأولى، أن الله هو الخالق، الذي خلق السموات والأرض والإنسان وكل شيء، فعبدته. وبمجيء المسيح إلى العالم وإجراءه العجائب. وبموته وقيامته وصعوده إلى السماء، إختبرت الكنيسة أيضًا، أن المسيح رب وإله، فسجدت له وعبدته. وعندما حلّ الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين، وغيّر حياتهم، فقد أدركت الكنيسة، أن من لديه قوة تغيير الحياة، لا يمكن أن يكون بشرا، لكنه حتما الاله، فعبدته. وهكذا، عندما نجمع اختبارات الكنيسة الأولى، نرى أن الكنيسة آمنت: أن الله هو رب وإله، والمسيح هو رب وإله، والروح القدس هو رب وإله. فهل يُعقل أننا نؤمن بثلاثة آلهة، كما ينعتنا البعض؟ كلا، نحن لا نؤمن بثلاثة آلهة، ولكن بإله واحد، مثلّث الأقانيم. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.