تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » ماذا قصد كاتبو قانون ايمان الرسل: أن المسيح نزل الى الهاوية؟ 

ماذا قصد كاتبو قانون ايمان الرسل: أن المسيح نزل الى الهاوية؟ 

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

يذكر قانون ايمان الرسل، الذي يقال أنه كان في الاستخدام منذ عام 150 ميلاديا، أن المسيح: “صلب ومات وقبر. ونزل الى الهاوية. وقام أيضا في اليوم الثالث من بين الأموات”. فما المقصود بنزول المسيح الى الهاوية أو الجحيم كما تعني الكلمة في الأصل؟ لم يذكر العهد الجديد هذا الموضوع، الاّ في آيات قليلة، مثل: “سبق (داود) فرأى وتكلّم عن قيامة المسيح. أنه لم تترك نفسه في الهاوية، ولا رأى جسده فسادًا. فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعا شهود لذلك” (أعمال الرسل 2: 31-32). يربط مفسرون بين: نزول المسيح الى الهاوية، أو أقسام الأرض السفلى، وبين الكرازة للأرواح التي في السجن. ويرون الربط في آيات أخرى، مثل قول بطرس،”فإن المسيح أيضًا تألّم مرّة واحدة من أجل الخطايا. البار من أجل الأثمة، لكي يقرّبنا من الله، مماتًا في الجسد، ولكن محي في الروح، الذي فيه أيضًا ذهب، فكرز للأرواح التي في السجن” (1بطرس3: 18-19). وقول بولس: “لذلك يقول، إذ صعد (يسوع) إلى العلاء سبى سبيًا، وأعطى الناس عطايا. وأما أنه صعد، فما هو إلاّ أنه نزل ايضًا أولاً، إلى أقسام الأرض السفلى. الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات، لكي يملأ الكل” (أفسس4: 8-10). يجدر الذكر، إن جذور الكلمة اللاتينية “انفيرنو” المترجمة: الجحيم او الهاوية، تعني “أقسام الأرض السفلى”.

يذكر العهد القديم أن انفس الموتى، لا تبقى تتجوّل في الهواء، لكنّها تذهب إلى مكان محدّد يسمى بالعبرية “شئول” “sheol”، التي تُترجَم غالبًا بكلمة “الهاوية”. مع أن كلمة “هاوية”، لا سيما كلمة “الجحيم”، قد تجعلنا نعتقد أن الكلمة تستخدم فقط للإشارة إلى حالة الهلاك الأخيرة التي تنتظر الأشرار، فانه من الضروري أن نعرف، أن كلمة “الهاوية” تستخدم في العهد القديم في خمسة معانٍ رئيسية: 1-منطقة أنفس الأموات غير المرئية. 2- موقع القبر، المكان الجغرافي حيث تُدفن الأجساد. 3- تستخدم بشكل رمزي ومجازي. 4-المكان الذي تُنقّذُ منه أنفس الأبرار. 5- مكان جغرافي تحت الأرض لمعاقبة الأشرار.

المعنى الأول: الهاوية كمنطقة أنفس الأموات، غير المرئية

تستخدم كلمة “الهاوية”، في العهد القديم، للاشارة الى المنطقة غير المرئية التي تذهب إليها أنفس الموتى (الأشرار، والأبرار ) بعد الموت. مثلاً، عندما كذب اخوة يوسف على أبيهم يعقوب قائلين له، أن وحشا افترس ابنه أخيهم يوسف. وبالتالي، فان جثته ليست بموجودة، يقول النص، “فقام جميع بيته وجميع بناته ليعزّوه (يعقوب). فأبى أن يتعزّى وقال، إني أنزل إلى أبني نائحًا إلى الهاوية، وبكى عليه أبوه” (تكوين37: 45). يرى مفسرون ان كلمة الهاوية، تشير الى المنطقة غير المرئية، التي اعتقد يعقوب، ان نفس ابنه يوسف ذهبت اليها.

المعنى الثاني: الهاوية بمعنى القبر

تستخدم كلمة “الهاوية”، للاشارة الى المكان الجغرافي حيث يدفن فيه أجساد الموتى. قال يعقوب لأولاده الذين أرادوا أن يأخذوا أخيهم الصغير بنيامين معهم الى مصر: “لا ينزل إبني معكم، لأن أخاه قد مات، وهو وحده باقٍ. فإن أصابته أذيّة في الطريق التي تذهبون فيها، تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية” (تكوين 42: 38).وقال صاحب المزمور “كمن يفلح ويشق الأرض، تبدّدت عظامنا عند فمّ الهاوية” (مزمور141: 7).

المعنى الثالث: الهاوية كتعبير مجازي

إستخدم مصطلح “الهاوية” كتعبير مجازي، للاشارة الى الخطايا الكبرى، والانفصال عن الله، والطمع :

أ‌- الخطية الكبيرة: قال النبي اشعياء،”لأنكم قلتم قد عقدنا عهدًا مع الموت، وصنعنا ميثاقًا مع الهاوية. السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا، لأننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغشّ استترنا” (إشعياء28: 15).

ب‌- الموت الروحي أو الإنفصال عن الله. هذا المفهوم نراه في قول المرنّم: “لينحدروا إلى الهاوية أحياء، لأن في مساكنهم، في وسطهم شرورًا” (مزمور55: 15).

ت‌- الطمع: وصف النبي حبقوق الملك قائلا، “الرجل متكبر ولا يهدأ، الذي قد وسّع نفسه كالهاوية، وهو كالموت لا يشبع” (حبقوق 2: 4).

المعنى الرابع: الهاوية، المكان الذي ينقذ منه الأبرار

قال صاحب المزمور: “مثل الغنم للهاوية يُساقون. الموت يرعاهم ويسودهم المستقيمون. غداة وصورتهم تبلى. الهاوية مسكنٌ لهم. إنما الله يفدي نفسي من يد الهاوية لأنه يأخذني” (مزمور49: 14-15). وبالتالي، يقول المرنم فقط الأشرار يبقون في الهاوية، لكن الأبرار ينقذون منها.

المعنى الخامس: الهاوية ، مكان جغرافي تحت الأرض لمعاقبة الأشرار

تستخدم كلمة الهاوية، للاشارة، الى مكان دينونة الأشرار. يذكر سفر العدد، “ولكن إن إبتدع الرب بدعة وفتحت الأرض فاها، وابتلعتهم وكل ما لهم، فنهضوا أحياءً إلى الهاوية، تعلمون أن هؤلاء القوم قد إزدروا بالرب” (عدد16: 30). عندما يكون هناك إشارة إلى الهاوية كموقع جغرافي، فإنها توصف على أنها في القسم السفلي أي تحت الأرض. قال الله في سفر التثنية: “إنه قد إشتعلت نار بغضبي، فتتّقد إلى الهاوية السفلى” (تثنية32: 22). والنبي اشعياء يتحدث عن سقوط الشيطان الذي كان زهرة بنت الصبح، فيقول”أصعد فوق مرتفعات السحاب، أصير مثل العلي، لكنّك إنحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب” (إشعياء14: 15). وبما أن كل وصف جغرافي للهاوية، يشير إلى مكان في الأسفل، فإن هذا ما قاد بعض اللاهوتيين للاعتقاد، أن الهاوية هي في مكان ما في قلب الأرض. ومواصفاتها هي كالتالي: مكان مظلم (أيوب17: 13). لها أبواب (أيوب17: 16). أنها مكان مخيف ومفزع . يذكر سفر صموئيل، “لأن أمواج الموت اكتنفتني، سيول الهاوية أفزعتني. حبال الهاوية أحاطت بي” (2صموئيل22: 5-6). وللتذكير، فانه غالبا ما يُقصد بمصطلح “الهاوية”، مكان مؤقت لدينونة الأشرار. وهي تختلف عن كلمة جهنم التي تستخدم للاشارة الى المكان الدائم، لدينونة الأشرار. لكن يؤكد النبي هوشع، أن الهاوية لا تزال ضمن قدرة يد الله للوصول إليها، لانقاذ الأبرار والصدّيقين منها. قال الله،”من يد الهاوية أفديهم. من الموت أخلّصهم. أين أوباؤك يا موت؟ أين شوكتك يا هاوية” (هوشع13: 14).

يجدر الاشارة أيضا، الى أن كلمة، “الهاوية” قد تعني في بعض الأوقات مزيج من عدد من هذه المعاني. ان المشكلة الشائكة التي يواجهها مفسرو الكتاب المقدس، أنه في بعض الأوقات، من الصعب جدًا تحديد المعنى الدقيق، لكلمة “الهاوية” لأنه قد تتداخل المعاني أحيانا في بعضها البعض. يلاحظ مفسرون، أنه بينما، لا يميز العهد القديم في كثير من الأحيان، بين: مكان وجود أنفس الأشرار، وأنفس والأبرار. اذ توجدان معا في نفس الهاوية. الاّ ان التمييز الواضح بين مكاني وجود أنفس الأشرار وأنفس الأبرار، نراه في مصطلح “الهاوية”، في العهد الجديد ، اذ ان كل مجموعة موجودة على حدة، ومنفصلة عن الأخرى. قال المؤرّخ اليهودي يوسيفوس، “أن اليهود، اعتقدوا أن أنفس الأموات، الأشرار والأبرار، تكون معًا في مكان واحد في الهاوية. لكني شخصيا اعتقد أنه فقط أنفس الأشرار تذهب إلى الهاوية، بينما أنفس الأبرار تذهب مباشرة إلى السماء.”

يعلّق القديس يوستناينوس الشهيد، قائلا، “بنزول المسيح، الى الهاوية، فان الله يتذكر شعبه القديم المائت الذي يقبع في القبور، فأرسل المسيح اليهم، كيما يرز بخلاصه لهم. كما أنه اقتبس قول أحد الشيوخ، الذي يقال أنه سمع من الذين كانوا قد رأوا الرسل، أن المسيح نزل إلى ما تحت الأرض، ليكرز عن مجيئه وخلاصه، ويعلن غفران الخطايا للذين قد سبقوا وتنبّأوا عن مجيئه، من آباء وأنبياء وأناس. وبالتالي، يرون ان المسيح حرر قديّسو العهد القديم من السجن. فالقديس مليتو سرديس، ذكر في احدى عظاته الفصحية ، أن المسيح في نزوله الى الهاوية، انتصر على الشر، وطرح ابليس في مقبرة النار، وحرّر قدّيسوا العهد القديم من الهاوية، إذ نقلهم إلى السماء. يربط مفسّرون، نزول المسيح إلى الهاوية وكرازته لأرواح الأموات الأبرار، بقول المسيح، في إنجيل يوحنا: ” الحق الحق أقول لكم، أنه تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون” (يوحنا5: 25).

إن تفسير القديس توما الأكويني لمعنى نزول المسيح الى الهاوية، هو التفسير المعتمد في الكنيسة الكاثوليكية. فقد آمن، أن المسيح نزل الى الهاوية، كيما يخلّص أرواح قديسي العهد القديم الأبرار من جزاء الخطية الأولى ويقودهم الى محضر الله في السماء. انكر الأكويني أن المسيح بذهابه الى الهاوية، حرّر أنفس الموتى الأشرار من دينونة جهنم، كما حاول ويحاول البعض الادعاء. قدّم ثلاثة مبررات لنزول المسيح إلى الهاوية، هي: 1-كيما يتصافى مع الإنسان الخاطىء. 2- كيما يحرّر أرواح المسجونين بعد انتصاره على الشيطان. 3-كيما يعلن سيادته وسلطته على الهاوية.

كيف فسّر المصلح جان كلفن، نزول المسيح الى الهاوية؟

أشرنا في الحلقة السابقة الى وجود تفسيرات عديدة لنزول المسيح الى الهاوية، كما يذكر قانون ايمان الرسل: “صلب ومات وقبر. ونزل الى الهاوية. وقام أيضا في اليوم الثالث من بين الأموات”. اعتقد مفسّرون، أن نزول المسيح الى الهاوية، يشير الى المدة التي صرفها، ما بين موته على الصليب يوم الجمعة العظيمة، وفجر قيامته يوم الأحد. يقول أصحب هذا التفسير، أنه في تلك الفترة نزل المسيح إلى الهاوية، وصرف وقتا مع أرواح الأموات، وكرز لهم بخلاصه. يجمع المفسرون، أنه مهما كان معنى مصطلح “الهاوية”، فان المصطلح لا يشير الى كونه، مسكن الأبرار الدائم. فإنه في أفضل حال، يمكن اعتباره، مكان موقّت ومرحلة متوسطة. فالهاوية بمعانيها المتعددة ستنتهي يومًا ما، ألا وهو في يوم القيامة الأخيرة والدينونة، حيث ان أنفس الأبرار تنتقل الى جهنم، وأنفس الأبرار الى الحياة الأبدية.
فهم المصلح جان كلفن موضوع “نزول المسيح إلى الهاوية”، في سياق الفداء الذي حقّقه الرب يسوع المسيح للإنسان بموته على الصليب. لم يعتقد ان الهاوية هي موقع جغرافي ما، كما ساد الرأي في الكنيسة آنذاك. إعتقد أن هذا النزول، ليس فقط مجرّد موته ووضعه في القبر. لكنه فسّر “النزول الى الهاوية”، بالآلام الجسدية والنفسية المبرحة التي عاناها، عندما كان معلقا على الصليب. لقد رأى الناس الذين شاهدوا المسيح المصلوب بأم عيونهم، آلامه الجسدية، لكن ما لم يروه هي آلامه النفسية الكبيرة جدًا، التي عانى منها عندما كان معلقا على الصليب. فأوجاعه النفسية، ربما ضاهت اوجاعه الجسدية، لكنها لم تستطع النيل منه إلى الأبد. على الصليب اختبر المسيح اختبار الهاوية الأليم. مرّت نفسه في مرحلة شديدة من العذاب، كما تتعذّب النفس المدانة في الهاوية. قال كلفن: ” تحمّل يسوع كلّ قوّة غضب الله. لكن الله لم يكن غاضبًا منه”. تجسدت آلام المسيح النفسية بشعوره بانفصال الله عنه، بشعوره أن الله تركه وهجره. مشاعر الألم النفسي، عبّر عنها بصرخته الشهيرة على الصليب، “إلهي إلهي لماذا تركتني؟(متى27: 46). قال كلفن، “ليس هناك هوّة أعمق من أن يشعر الإنسان أنه متروك، مفصول عى الله. وعندما تدعوه وتصلّي إليه لا يسمع. وكان المسيح على الصليب، قد خسر كلّ شيء كان له مع الآب. خسر كل ما يربطه به”. قال كلفن، “بدى على الصليب، وكأن الله لم يحبّ ابنه يسوع أو يقدّره. فقد خسر يسوع مؤقتًا محبة أبيه له. لكن طبعًا عاد وأكمل الله محبّته له. اقتبس وصف كاتب الرسالة الى العبرانيين لشدّة آلام المسيح، اذ قال، “الذي في أيام جسده، إذ قدّم بصراخ شديد، ودموع طلبات وتضرّعات، للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه” (عبرانيين5: 7). قال كلفن، ” لقد خاف المسيح من الموت على الصليب. لكنّه لم يخف من لعنة وغضب الله، لأنه كان يعلم أنه محميّ من تلك الأمور… يسوع ارتعب من ذلك العذاب الروحي، من تلك الدينونة. شعر أنه لم يعد آمنًا، بل بالعكس، شعر أنه كان ملعونًا”. شدّد كلفن على ذكر كل هذه الآلام النفسية، ليقول لنا: ” انه لو لم يختبر يسوع رعب الدينونة والشعور بعدم الأمان وبالخوف واللعنه، فإنه لن يكون قد تحمّل فعليًا القصاص الكبير والدينونية الكبيرة التي نستحقّها بسبب خطايانا وشرورنا. فحتى يكون قد مات بالحقيقة بديلاً عنّا، كان يجب عليه أن يدفع كلفة باهظة بديلاً عنّا”. قال كلفن: “تصارع يسوع على الصليب، يدًا بيد مع قوّة إبليس. تصارع مع الموت. تصارع مع آلام الهاوية. ولكنّه إنتصر عليها جميعًا”. قال، ” لقد تمسّك المسيح على الصليب، بقوّة بعهد محبّة الله الكاملة له، بالرغم من شعوره بترك الله الكامل له. لكن بالرغم من أن آلامه الجسدية والنفسية قد تجاوزت كل حدود، إلاّ أنه لم يتوقّف عن مخاطبة أبيه، بلقب “الهي”، حين صرخ قائلا، ” إلهي إلهي لماذا تركتني؟” (متى27: 46).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.