تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » هل هناك من تراتبية روحية بين القسوس وباقي المؤمنين بالمسيح؟ المصلح الانجيلي مارتن لوثر

هل هناك من تراتبية روحية بين القسوس وباقي المؤمنين بالمسيح؟ المصلح الانجيلي مارتن لوثر

بقلم

 القس سهيل سعود

السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

هل هناك من تراتبية روحية بين القسوس وباقي المؤمنين بالمسيح؟

المصلح الانجيلي مارتن لوثر

 

عندما نادى المصلح مارتن لوثر بمبادىء: “الايمان وحده، الكتاب المقدس وحده، وكهنوت جميع المؤمنين”. فان نتيجة ذلك أنه جعل خدمة الوعظ تأخذ المكانة الأسمى في الكنيسة. لم تعني عقيدته “كهنوت جميع المؤمنين، بأن على كل مؤمن أن يأخذ على عاتقه مهمة الوعظ الرسمية في الكنيسة. كان حريصا في الحفاظ على النظام والترتيب، لئلا تعمّ الفوضى في الكنيسة. وبالتالي، بالرغم أنه، من ناحية شدّد على مبدأ أن لكل مؤمن الحق والسلطان أن يعظ بكلمة الله، الأمر الذي هو متاح للجميع. الا أنه من ناحية ثانية، صرّح قائلا، “هذا لا يعني بأن على كل مسيحي أن يمارس هذا الحق في سياق خدمة العبادة. تساءل قائلا، ” ماذا سيحدث لو أراد الجميع أن يتكلّم؟”.

استند لوثر في عقيدته “كهنوت جميع المؤمنين”، على رغبة الله التي عبّر عنها لشعبه، ألفي سنة قبل المسيح، بأن يكون كل فرد منهم كاهنا. قال لهم: “فالان ان سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي، تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب، فان لي كل الارض، وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة” (خروج 19: 6). تعني كلمة كاهن Pontifix ، باللاتينية “باني القنطرة”. فالكاهن هو الشخص الذي يبني القنطرة، ويعمل كقنطرة عبور، يعبرالناس من خلاله الى الله من خلال الصلوات والذبائح والمحرقات والقرابين التي يقدمونها ويستلمها الكاهن في الهيكل، وتعبر استجابات الله ورغبته وارادته الى الناس، من خلال الكاهن.

كما استند مارتن لوثر، في وضعه لعقيدة كهنوت جميع المؤمنين، على تسمية الرسول بطرس جميع أعضاء الكنيسة بأنهم ينتمون الى كهنوت ملوكي، اذ قال لهم، ” كونوا أنتم أيضا مبنيين كحجارة حية، بيتا روحيا، كهنوتا مقدسا، لتقديم ذبائح مقبولة عند الله بيسوع المسيح” (1بط 2: 5). وأيضا قوله لهم “جنس مختار، وكهنوت ملوكي، امة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب” ( 1 بط 5: 9). كما أن كاتب سفررؤيا يوحنا، يستخدم نفس لقب “كاهن أو كهنة” لأعضاء الكنيسة عامة فيقول، “سلام من يسوع المسيح الذي احبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا كهنة وملوكا لله ابيه” (رؤيا 1: 6 ). وبالتالي، بالايمان بالرب يسوع المسيح، يصبح كل مؤمن ومؤمنة كاهن أو كاهنة لنفسه أو لنفسها أمام الله، وكاهن أو كاهنة للاخرين، بمعنى أننا نستطيع أن نصلي من أجل الاخرين ونرفع حياتهم وطلباتهم أمام الله طالبين من الله أن يستجيب لهم، كما قال الرسول يعقوب “اعترفوا بعضكم لبعض بالزلاّت، وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تشفوا” (يعقوب 5: 16). وبمفهوم كهنوت جميع المؤمنين الذي دعا اليه المصلحون الانجيليون نحقق رغبة قلب الله التي عبّر عنها في سفر الخروج قائلا، ” وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة”( خروج 19: 6).

أما بالنسبة للتمييز بين، مرتبة الكاهن الذي يخدم الرعية، عن مرتبة باقي المؤمنين أو العلمانيين الذين يشتركون معا في الكهنوت العام. وصف لوثر خدام الكنيسة القسوس ، بأنهم يحملون كهنوت الخدمة، ولكن ليس بمعنى أن لهم سلطة روحية أعلى من باقي المؤمنين، الذين لديهم وظائف اخرى، بل كونهم أناسا مفرزون للخدمة، متعمقون في دراسة الكتاب المقدس ويمارسون خدمة الوعظ والتعليم والقيادة.

بناء لهذا المفهوم، لم يقبل لوثر فكرة، أن يكون الكهنوت امتياز مخصص لجماعة مميزة، لها سلطة روحية ودور روحي مميز عن الباقين، بل قال لا يوجد تراتبية روحية بين المؤمنين بالمسيح، بل أن الجميع متساوون امام الله، يشتركون في كهنوت ملوكي واحد وعام، ولهم امتياز، التواصل المباشر والعلاقة المباشرة مع الله، من خلال صلواتهم وتضرعاتهم، دون الحاجة الى وساطة انسانية. لقد رغب المصلح جان كلفن، باستخدام لقب “كاهن” للمسيحي بشكل مستمر . قال “يجب ان تصبح كلمة “كاهن “شائعة الاستخدام، كما كلمة مسيحي.

ميّز لوثر بشكل واضح بين الاعلان الشخصي، والاعلان العلني لكلمة الله. قال، “يمكن للمؤمنين اعلان كلمة الله شخصيا وبشكل منفرد، عندما يقومون بالكرازة بها وايصالها الى أناس آخرين، وذلك في سياق التفاعل الشخصي. وهذا سلطان منحه الله لكل المؤمنين، لكونهم جميعًا كهنة أمام الله، أما الاعلان العلني، فهو أمر آخر، قال لوثر، “دعا الله أناسًا يفرزون عن العلمانيين، ويدرسون ويتخصّصون لمهمة الخدمة. هؤلاء هم القسوس، الذين يعظون بكلمة الله في الكنائس المحلية”. كان لوثر حريصا على التشديد، أن هذا الفرز للخدمة، لا يجعل من القسوس، في مرتبة روحية أعلى من باقي المؤمنين، بل يبقون متساوين لهم، كما تعلّم عقيدة كهنوت جميع المؤمنين. قال لوثر، “ان الفرق بين القسوس والعلمانيين، هو في المهمة، وليس في الرتبة”. آمن لوثر، أن الايمان ليس شيئًا يزرع في النفس البشرية مرة واحدة والى الأبد، ومن ثم يترك لينمو بشكل طبيعي داخل الإنسان. لكن استمراره في الحياة يتطلّب متابعة وتنشئة روحية متواصلة. وهذا ما يفسّر الحاجة كبيرة لوجود أناس قادرين على القيام بهذه المهمة، الذين هم القسوس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.