تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » الوحدة في المسيح

الوحدة في المسيح

الكاتب

 القس عيد صلاح

راعى الكنيسة الإنجيلية بعين شمس

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر  

الوحدة في المسيح

(1 كو 12: 1-12؛ أف 4: 1-7)

من الملاحظ أنَّ أكثر كلمة تكرَّرت في النصّين: (1 كو 12: 1-12؛ أف 4: 1-7) هي كلمة “واحد”، والوحدة هي هدف وقصد الله في الخليقة منذ الخلق، في ثلاثة زوايا: فمن ناحية الأسرة: “لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.” (تك 2: 24).  ومن الناحية الإيمانية: “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.” (تث 6: 4). ومن ناحية الكنسيّة: “وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،” (أع 2: 1). وكانت صلاة المسيح: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.” (يو 17: 21). وفي قانون الإيمان نردد: “نؤمن بكنيسة واحدة جامعة رسولية مقدسة.”

في أول تطبيق لكسر صورة الوحدة التي قصدها المسيح للكنيسة كانت في كنيسة كورنثوس، ومدينة كورنثوس كانت مدينة كبيرة فيها أجناس مختلفة، وفلسفات متعددة عندما دخل الإنجيل إليها، وتفاعل الإنجيل مع هذه المدينة، فغيرها. الكنيسة في كورنثوس كانت في حالة انقسام، فقد انقسمت إلى شيع وفروق ثقافيّة وحضاريّة حتى أن المذاهب التي وضعت لخدمة الكنيسة كانت سببًا في انقسام الكنيسة “فَأَنَا أَعْنِي هذَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: أَنَا لِبُولُسَ، وأَنَا لأَبُلُّوسَ، وَأَنَا لِصَفَا، وَأَنَا لِلْمَسِيحِ.” (1 كو 1: 12).

وقد تتشابه كنيسة كورنثوس مع أي كنيسة تنقسم فئويًا، أو طبقيًا، أو جندريًا، أو فكريًا. وقد عالج الرسول بولس حالة الانقسام الموجودة في الكنيسة من خلال التعليم عن الصليب في الإصحاح الأول والقيامة في الإصحاح الخامس عشر، وكأن الكنيسة التي تحيا فكر الصليب وحياة القيامة لا يمكن أن تنقسم. الكنيسة مدعوة للسير في طريق الصليب والقيامة لتضمن وحدتها.

وأروع الصور التي استخدمها الرسول بولس عن الكنيسة بأنها “جسد المسيح “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا. (1 كو 12: 12). ويقول أيضًا: “فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ.” (1 كو 12: 20).

من خلال هذه الصورة نركِّز على معنى الوحدة في المسيح التي تختلف بالطبع عن أي نادي سياسيّ أو ثقافيّ أو نقابيّ أو اجتماعيّ، فالوحد في المسيح، وفي الروح، وبالتالي في الكنيسة. وهي ثلاثة مصطلحات يستخدمها الرسول بولس ليعبر عن عمق الولاء والانتماء ولا يمكن أن تنفصل عن بعضها البعض وهي: في المسيح، في الروح، في الكنيسة.

كثيرًا ما نتعامل مع الكنيسة مثل الموقف التالي وهو يحكى أنَّه في أسطورة يونانيّة أن صاحب فندق كان يعامل نزلائه الذين يتمتعون بالإقامة بالفندق مجانًا بهذا المبدأ، ففي الفندق كل الأسرة مقاس واحد، والذي يريد النزول في هذا الفندق لا بد من أن يكون مقاسه على طول السير، فإن كان قصيرًا يُمَدُّ أو يُمَطُّ لكي يصل طوله لطول السرير. وإنَّ كان طوله أطول من السرير ينشر بالمنشار لكي يكون على قدر مساحة السرير.

مفهوم الجسد يُعَمِّق مفهوم الوحدة، ومفهوم الوحدة ليس معناه قولبة، أو تنميط، أو خلق نسخ متشابهة، أو استنساخ، ولكن الأعضاء الكثيرة المتعددة والمتنوعة تعيش معًا في شركة واحدة. والوحدة في المسيح تعني:

  • الشركة،
  • الدور والرسالة،
  • الوحدة في تنوع،
  • التفرد والإبداع،
  • العمل الجماعيّ.

أولاً: الشركة

الشركة في المسيح ومع المسيح وشركة بعضنا مع البعض، الكنيسة مجتمع يقبل الجميع دون تمييز، وهي تشمل لكل الأعمار والأجناس، القوميات والأعراق، المذاهب والطوائف، كل الطبقات تجد ذاتها ووحدتها في المسيح. المفهوم الصحيح عن الوحدة والاتحاد في المسيح يقود لمفهوم الشركة، والشركة تنبذ كل التصنيف العنصريّ والفكريّ، الدينيّ والسياسيّ، والشركة تدعم فكرة العدل والمساواة.

فليست الشركة داخل الكنيسة فكرة معرضة للزوال ولكنها حقيقة دائمة وأكيدة لأنها مبنية على: الشركة في المسيح، “أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.” (1 كو 1: 9). الشركة في الروح “إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ.” (في 2: 1). الشركة في الكنيسة “فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ …” (1 كو 12: 28). كل التجمعات البشريَّة لها أفكار تجتمع حولها، وهذا ما نراه مثلاً في تكوين الأحزاب والنقابات، هناك فكرة تجتمع الجماعة حولها، وما يميز الشركة في الكنيسة أنها تبنى على عمل الله المثلث الأقانيم (الآب، والابن، والروح القدس).

هذا جعل الأعضاء المختلفون في نواحٍ كثيرة يشتركون في كيان الجسد الواحد “بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّباً مَعاً، وَمُقْتَرِناً بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِلٍ، حَسَبَ عَمَلٍ، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ.” (أفس 4: 15-16).

لكي يؤكد الرسول بولس على مفهوم الشركة ركز على الهوية الإيمانيّة للكنيسة فهي شعب الله، وجسد المسيح، وشركة في الروح القدس، فهويتنا في المسيج جماعة فنحن: “فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ، وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ، بِنَاءُ اللهِ.” (1 كو 3: 9). وأيضًا: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1 كو 3: 16).

شركتنا في المسح ومع المسيح، وشركتنا مع بعضنا البعض كجسد واحد، ففي قضية الأم نتألم معًا، وفي وقت الفرح نفرح معًا، وفي وقت الإكرام نفرح معًا “فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ.” (1 كو 12: 26). وأيضًا “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ.” (رو 12: 15). الشركة تكسر كل فكر الانعزاليّة والانفصاليّة والأنمالية والتعالي وتجعل كل واحد منا للآخر، فنحن نحتاج إلى بعضنا البعض.

ثانيًا: الدور والرسالة

الوحدة في المسيح تعني أنني لست فردًا مستقلاً بذاته ولكنه يعمل ويخدم داخل إطار منظمة الجسد الواحد، وهي منظومة الوحدة. وداخل هذا الإطار كل واحد عليه دور ورسالة يقوم بها لأجل سلامة الجسد. وهنا كل شخص يغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. كل عضو له وظيفة، وكل عضو منفصل عن الآخر ولكنه يكمل الآخر، ولا يستطيع أن يستغني عنه، كل عضو محدد المعالم له شكل وفي نفس الوقت له وظيفة. الأدوار تتكامل داخل الجسد ولا تتصارع. ولعل الصورة الآتية تبرهن على ذلك:

“فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. إِنْ قَالَتِ الرِّجْلُ: لأَنِّي لَسْتُ يَدًا، لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ وَإِنْ قَالَتِ الأُذُنُ: لأِنِّي لَسْتُ عَيْنًا، لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ لَوْ كَانَ كُلُّ الْجَسَدِ عَيْنًا، فَأَيْنَ السَّمْعُ؟ لَوْ كَانَ الْكُلُّ سَمْعًا، فَأَيْنَ الشَّمُّ؟ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ الأَعْضَاءَ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْجَسَدِ، كَمَا أَرَادَ. وَلكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْوًا وَاحِدًا، أَيْنَ الْجَسَدُ؟ فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَن تَقُولَ لِلْيَدِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ! أَوِ الرَّأْسُ أَيْضًا لِلرِّجْلَيْنِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا! بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَأَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلاَ كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَالأَعْضَاءُ الْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا احْتِيَاجٌ. لكِنَّ اللهَ مَزَجَ الْجَسَدَ، مُعْطِيًا النَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ، بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَامًا وَاحِدًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا. (1 كو 12: 14-27).

هذا النصّ الغني يقول لنا إنَّه ليس هناك نزاع، أو صراع، أو إزاحة بل تكامل في الأدوار، تعاون إيجابي بنَّاء ومشترك داخل الكنيسة التي هي جماعة الرب وشعب الرب. كل شخص له دور ورسالة يقوم بها بحب ومسؤولية مبني على احترام وتقدير متبادل، فالكل يعطي لأجل الرسالة العامة للجسد. أنت مهم داخل جسد المسيح ولك دور، وكل دور له قيمة ورسالة، فأحرص على ذلك.

ثالثًا: وحدة في تنوع وتنوع في وحدة

        كما عرفنا أنَّ الجسد ليس عضوًا، كما لا يصلح أن يكون العضو جسدًا؛ فالجسد مجموعة من الأعضاء وهي كثيرة ومتنوعة. والوحدة تستثمر كل هذا التعدد والتنوع لخير وثراء الجسد. الاختلاف يؤدي إلى تكامل، والتنوع يؤدي إلى إثراء فيضبح مجتمع الكنيسة في المسيح مجتمعًا متكاملاً غنيًا وثريًا.

وبناء عليه الوجود في المسيح حطَّم كل الحواجز الموجودة التي بإمكانياتها تعطل الشركة “لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا.”  (1 كو 12: 13). وأيضًا يقول الرسول بولس: “لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ اعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ، حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ.” (كو 3: 9-11) وهو نفس ما أكَّده في غلاطية بالقول: “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” (غل 3: 27-28).

التنوع والتعدد كما يساعدني أن أعرف قيمتي ورسالتي يساعدني أيضًا أن أقبل المختلف عني والمختلف معي، والتفكير بموضوعية وحيادية نحو الآخر، وحياة التواضع لكل أتعلم من خبرات وتجارب الآخرين المختلفين عني.

رابعًا: التفرد والإبداع

يخشى البعض من العمل الجماعيّ، فينفصلون ويكونون خدمات خاصة لهم، لأنه يخاف أن يذوب وسط الجماعة، ولكن الجماعة الواعية المتحدة المتماسكة تساعد أعضائها على التميز والتفرد في نواحي الحياة والخدمة المختلفة. العمل الجماعيّ هو أرض خصبة لتفرد المواهب لأنه في الأساس يحتاج إلى جماعة تضمه وتحتضنه وتؤمن به، في المسيح تفرد وفي المسيح إبداع وهكذا في كنيسته. هذا التنوع في الخدمة نجده في رومية 12 بالقول:

“فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ. وَلكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا: أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ، أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ، أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ، أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ، الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ، الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ، الرَّاحِمُ فَبِسُرُورٍ.” (رو 12: 4-8).

خامسًا: العمل الجماعيّ

الوحدة في المسيح ركيزة لاهوتية للعمل الجماعيّ، في المسيح نحن واحد، متساوون، يعبر به في الفكر الإنجيلي المصلح بكهنوت جميع المؤمنين، أي إننا متساوون أمام الله: في الخلق، في السقوط، في الفداء. “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.” (1 بط 2: 9).

كل واحد منا له عمل، هذا العمل يكون في خدمة الله وخدمة الآخر. فنحيا الوصية العظمى مع الإرسالية العظمى الوصية العظمى والإرسالية العظمى فمحبة الله ومحبة القريب هي لب رسالة الإنجيل، ففي الوصية العظمى نستمع لكلمات المسيح: “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.” (مت 22: 37-39)، والإرساليّة العظمى: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ. (مت 28: 18-20). الوصية العظمى والإرسالية العظمى تختص بمحبة الله ومحبة القريب. وهنا الأدوار تتميز وتتكامل في آن واحد.

يأتي هذا التعليم في ظل بيئة ثقافيّة مصريّة لا تستطيع أن تعمل معًا جماعيّا، تمجد دور الفرد، بل اللعاب الفردية هي التي تفوز، والألعاب الجماعيّة كمنتخب كرة القدم يخسر. وذلك يرجع إلى أنَّ هناك فرق في منهج التربية حتى في طريقة اللعب لدى الأطفال فقد قرأت هذه المفارقة: عندنا يأتون بتسعة كراسي لعشرة أطفال ويقولون للأطفال بأنّ الرابح هو مَن يحصل على الكرسي، ومَن يبقى بدون كرسي يكون خارج اللعبة. ثمّ يقلّلون عدد الكراسي كلّ مرّة، فيخرج طفل كلّ مرّة حتى يبقى طفلًا واحدًا ويتم إعلانه أنّه الفائز. فيتعلّم الطفل ثقافة “نفسي نفسي، ولكي أنجح عليَّ أن أزيح غيري”.

وفي الروضة الخاصة بأطفال اليابان يلعبون لعبة الكراسي أيضًا؟ ويأتون بتسعة كراسي لعشرة أطفال أيضًا مع فارق بأنّهم يقولون للأطفال بأنّ عددكم أكبر من الكراسي. فإذا أحدكم بقي دون كرسي يخسر الجميع. فيحاول جميع الأطفال احتضان بعضهم البعض لكي يستطيع عشرة أطفال الجلوس على تسعة كراسي. ومن ثمّ يقللون عدد الكراسي تباعًا. مع بقاء قاعدة أنّهم يجب أنْ يتأكدوا بأنّ لا يبقى أحدهم دون كرسي وإلا خسروا جميعًا. فيتعلّم الطفل ثقافة “لا نجاح لي دون مساعدة غيري على النجاح”. ثقافة التعاون والمحبة خطوة لسعادة أكبر. الكراسي هي هي واللعبة هي هي لكن التوجه القيمي مختلف. أمامنا فرصة كبيرة في التربية والتعليم حول قيمة العمل الجماعيّ ودور كل فرد في فريق العمل فنحن نتعبد معًا، نخدم معًا، نقدم شهادة معًا.

ما هو دورنا تجاه الوحدة في المسيح؟

يكتب الرسول بولس لأهل كنيسة أفسس ولنا الآن هذه الكلمات التي تعبر عن دورنا ورسالتنا في حفظ روح الوحدة في المسيح عمليًا مهما أختلفنا في الأفكار، أو المذاهب، أو الكنائس، أو الطوائف:

“فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ. وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. (أف 4: 1-7). “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ.” (أف 4: 13).

نحن ككنيسة جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضنا لبعض كل واحد للآخر. وفي الأدبيّات المسكونيّة يكون التعليم عن الوحدة في الشركة وليس في المؤسّسة، ومفهوم الوحد في المسيح يساعدنا على أن نحقق قصد الله منذ في الوحدة الأسرية، وفي الوحدة الإيمانيّة، وفي الوحدة الكنسية، كما تساعدنا على:

  • في الوحدة تعميق لمفهوم الشركة،
  • في الوحدة دور ورسالة،
  • في الوحدة تنوع في وحدة ووحدة في تنوع،
  • في الوحدة تفرد وإبداع،
  • في الوحدة عمل جماعيّ معًا.

وترنم الكنيسة تعبيرًا عن إيمانها بالوحدة في المسيح بالقول:

إنَّ كنيسة العلي واحدة طول المدى

والرب سيد لها يحفظها من العدى

خليقة جديدة بالماء والكلمة

جاء لكي ينقذها من أسرها بالنعمة

2

من كل أمة ترى بين الملا تحت السما

قد جمعتهم ضمنها حتى ينالوا النعما

فواحد سيدها وواحد إيمانها

وواحد رجاؤها وواحد تكلانها

3

لئن يصب وحدتها داعي النفور والشقاق

أو دخلتها بدع تسلبها روح الوفاق

فإنَّ سيد الملا يرعى بنيها سرمدا

فليس أبواب الردى تقوى عليها أبدا

4

في تعب وألم في كدر وفي سقام

تنتظر اليوم الذي فيه ترى نور السلام

وسوف تحظى بالذي ترجو بأنْ تنظره

وتبصر الملك الذي تشتاق أنْ تبصره

 

خدمة صباح الأحد 24 يوليو 2022م

القس عيد صلاح

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.