تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأرشيف » مفهوم العظمة

مفهوم العظمة

الكاتب

 القس عيد صلاح

راعى الكنيسة الإنجيلية بعين شمس

سنودس النيل الإنجيلي 

الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر  

مفهوم العظمة

(متى 20: 17-34)

تمثل الأناجيل حكاية أعظم وأهم شخصية في تاريخ البشرية، ويتفرد كل إنجيل بكتابة الخبر السار كل من زاويته، لدينا إنجيل واحد بروايات أربع، العامل المشترك التي أجمعت عليه الروايات بجانب قصة المسيح في تجسده وخدمته وتعليمه وآلامه وصلبه وموته وقيامته وصعوده للسماء هو اختيار المسيح لجماعة من البشر تلاميذًا له. هؤلاء كانوا مختلفين في نواح كثيرة حسب الانتماء، والتعليم، والمهنة.

كان لهؤلاء نصيب الأسد في التواجد مع شخص المسيح والاستماع إليه، والتعلق به، والتعلم منه، والاستفسار منه على بعض المواقف الصعبة. على الجانب الآخر المسيح لم يبخل عليهم بشيء بل كان نعم النموذج والمثل في صناعة التلاميذ. في بعض المرات كان يبدو قاسيًا عليهم، يوبخهم لأنهم لم يفهموا، ولكن على طول الخط كان صبورًا عليهم، زرع فيهم من خلال المعايشة في الفكر والسلوك المبادئ التي كان يريد أن يحياها التلاميذ في الخدمة والشهادة والشركة.

اقترب التلاميذ من المسيح وكانت لهم طموحات حسب الثقافة التي ترسبت في عقولهم، ومن ضمنها أن المسيا الآتي إلى العالم هو القائد المنتصر، هو الملك الفاتح الظافر، هو السلطان الذي سوف يسحق أعداء إسرائيل. لم يتوقعوا أبدًا أن المسيا مكانه الصليب لا العرش. ولعل الموقف الذي سجله البشير متى 20: 20-28 يروي فيه الطموح من جانب التلاميذ، وتصويب ذلك من ناحية المسيح بالتركيز على مفهوم العظمة الحقيقية.

تعالوا نرى معًا طموح التلاميذ، ففي الوقت الذي يعلن فيه المسيح عن المهمة التي أتى إليها ومن أجلها: “وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذًا عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.” (متى 20: 17-19).

بعد هذا مباشرة نجد أن اثنان من التلاميذ يتقدمان عن طريق الأم بطلب في غاية الغرابة قد يكون هذا الطلب نتيجة لفهم التلاميذ الحرفي لكلمات المسيح التي ذكرها لهم قبل هذه الموقف “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي فِي التَّجْدِيدِ مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ.” (متى 19: 28)، فأعتقد كل واحد فيهم أنه سوف يجلس على كرسي فمن هو الذي يكون كرسيه قريبًا من المسيح. بناء على هذا الفكر تقدمت أم ابني زبدي لكي يملك ابنيها على أفضل الكراسي واحد عن اليمين والثاني عن اليسار. طلبت هذا بحكم القبيلة والقرابة، أو بحكم توريث السلطة أو بمنطق الأقربون أولى بالمعروف.

على الجانب الآخر يقف العشرة من التلاميذ في قمة المشاعر السلبية من ناحية طلب يعقوب ويوحنا قال عنهم متى وهو واحد منهم إنهم “اغتاظوا” حسب ما دون متى بالقول: “فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ.” (متى 20: 24). العشرة لم يكونوا أفضل حالًا من الإثنين الباقيين، فالأغلبية والأقلية غرقت في هذا الفكر. ومن هنا أصبحت حياة الخدمة والشركة والشهادة في خطر.

ولقد انتهز المسيح هذه الفرصة لكي يُعلّم التلاميذ والكنيسة من بعدهم درسًا هامًا في مفهوم العظمة الحقيقية في خمسة ملامح، وهي:

  • العظمة الحقيقية ليست في المكانة لكن في القيمة،
  • العظمة الحقيقية ليست في السلطة بل في الخدمة،
  • العظمة الحقيقية ليست في التفرد والبعد عن الجماعة بل بالعمل داخلها،
  • العظمة الحقيقية ليست في الخضوع للقيم السلبية السائدة بل في الثورة عليها،
  • العظمة الحقيقية ليست في الرفاهية بل في الألم واحتمال المشقات

أولًا: العظمة الحقيقية ليست في المكانة لكن في القيمة

بحث كل من يعقوب ويوحنا عن المكانة من يكون عن اليمين ومن يكون عن اليسار، من يملك السلطة ومن يملك القوة والاقتصاد. وظنا أن المكانة تتيح لهما القيمة، ونسيا أن قيمتها الحقيقية في كونهما تلاميذًا للمسيح في البحث عن المكانة يكون الصراع والانقسام، وفي البحث عن الخدمة يتفانى الجميع بغض النظر عن السلطة والزعامة.

أرسى المسيح قاعدة هامة وهي أنَّ عظمتي في قيمتي وليست في مكانتي، وقيمة الإنسان الحقيقية هو أنه مخلوق على صورة الله وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا…فَخَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ.” (تكوين 1: 26، 27).   وأن القيمة الحقيقية هي في الخدمة التي نقوم بها لمجد الله وحده، قال المسيح: “بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا” (متى 20: 26)، ومن هنا يبين أن العظمة في القيمة وليست في المكانة.

ثانيًا: العظمة الحقيقية ليست في السلطة بل في الخدمة

في البحث عن المكانة يفرض السلطة على الآخرين، “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ.” (متى 20: 25)، الرؤساء والعظماء بجانب فرض السلطة والسيادة يحتاجون لمن يخدموهم. ولكن في المقارنة التي قام بها المسيح حين قال: ” كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ. (متى 20: 28). دلل المسيح على هذه الكلام بدرس عملي حين فتح أعين الأعميان (متى 20: 29-33)، فقدم المسيح الخدمة الباذلة المضحية.

إذا أردنا السلطة بعدنا عن الخدمة، وإذا بعدنا عن السيادة والزعامة بعدنا عن فكر المسيح، كم من عميان من حولنا ينتظرون أن نحمل لهم فكر المسيح بدلا من البحث عن السلطة والزعامة. تتوه الخدمة ويضيع الوقت حين تنشغل الجماعة بصراعتها الداخلية على السلطة والسيادة.

ثالثًا: العظمة الحقيقية ليست في التفرد والبعد عن الجماعة بل بالعمل داخلها

كان في اعتقاد يعقوب ويوحنا ما هو نصيبنا بعيدًا عن الجماعة؟ لا شأن لنا ببطرس أو بالآخرين أو باقي التلاميذ. حلم الطبقية ولد مشاعر الغيظ ولولا فكر المسيح الذي صحح فكر الجماعة الوليدة لانقسمت وتناحرت وضاع عمل المسيح وضاع الاهتمام بالبشرية المحبطة المتمثلة في الأعميين.

هناك مثل إفريقي يقول: “إنَّ صراع الأفيال يقتل الحشائش الصغيرة” وصراع التلاميذ بعضهم مع البعض كان كفيلًا بأن ينهي عليهم جميعًا. ويحرم العميان من نور المسيح.

هدف الله منذ البدء هو الوحدة لا التشرذم وقد طلب المسيح في صلاته الشفاعية: “وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.” (يوحنا 17: 11).

رابعًا: العظمة الحقيقية ليست في الخضوع للقيم السلبية السائدة بل في الثورة عليها

كان شعار كل من يعقوب ويوحنا هو أن عظمتي في مكانتي ولكن المسيح أكد على أن عظمتي في خدمتي وقيمتي، حطم المسيح ما هو سائد في المجتمع من قيم سلبية وفكر مغلوط حول العظمة حين قال: “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا (متى 20: 25-27). المقابلة التي وضعها المسيح هنا بين الرؤساء والعظماء وبين العبد والخادم بين بين السيادة والتسلط وبين الخدمة والمكانة الأولى.

المسيح أعطى القيمة للعبد وللخادم وفي هذا السياق المسيح أحدث انقلابًا في التفكير فحين تتعلق الأعين بالرؤساء والعظماء يجدون المسيح يلمع من العبيد والخدام. ويعطنا درسًا ان لا تحكمنا قيم العالم ولكن تحكمنا قيم الملكوت. السؤال كم من قيم سلبية من حولنا تحتاج إلى الثورة ضدها.

خامسًا: العظمة الحقيقية ليست في الرفاهية بل في الألم واحتمال المشقات

ظن كل من يعقوب ويوحنا أن السلطة تجلب لهما المال، والمال يجلب لهما الرفاهية، والرفاهية حلم الكثيرين. في المقابل وضع المسيح أمام الجماعة ما يُسّمَّى بالصبغة: “فَأَجَابَ يَسُوعُ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا؟ قَالاَ لَهُ: نَسْتَطِيعُ.  فَقَالَ لَهُمَا: أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي. (متى 20: 22-23).

ومن خلال التاريخ نجد أن كلاهما قد ذاق من الصبغة (من الألم) فيعقوب قُتِل بحد السيف: “فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ. (أع 12: 2)؛ ويوحنا نُفِي إلى جزيرة بطمس، وذلك كما ورد في سفر الرؤيا: “أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.”  (رؤيا 1: 9).

هذه الخبرة عاشتها الجماعة الأولى وتحياها كل جماعة تتبع المسيح فهي تنتقل من التمركز حول الذات على خدمة الآخرين ومن محاولة التشرذم بعيدًا عن الجماعة إلى العمل داخلها ومن السعي نحو السلطة إلى فكر الخدمة وهذا يتحدانا كل يوم كيف نفكر فكر المسيح ونحيا قيم المسيح.

جاء تعليم المسيح عن مفهوم العظمة الحقيقية بين كلامه عن آلامه وصلبه وموته وقيامته وبين مثل فتح اين الأعميان، وهي إذًا ليست فقرة ثانوية ولكنها فقرة أساسية تبين لنا حين تنغلق الأعين عن شخص يسوع المسيح تدخل في مرحلة عمى تكون السلطة والزعامة والبحث عن المكانة محورها ولكن حين تنفتح الأعين على شخص المسيح تكون الخدمة والقيمة أساسها، وبالتالي صرخة الأعميان هي صرخة التلاميذ-وكل التلاميذ في أي مكان أو زمان-الذين انحرفوا عن مسار الرسالة والخدمة الحقيقية ومازالت هذه الصرخة تتحدانا في كل مرة طلبنا ما لنفسنا وتمركزنا حول ذاتنا وأنانيتنا، ومازال سؤال المسيح يقول لنا:

“فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمَا؟

قَالاَ لَهُ: «يَا سَيِّدُ أَنْ تَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا!

فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ.” (متى 20: 32-34).

نصلي يا أبانا أن تنفتح أعيننا فنعرفك المعرفة الحقيقية، فتتحول أعيننا من البحث عن المكانة أو السلطة أو العمل بعيدًا عن الكنيسة أو الخضوع للقيم السلبية إلى البحث عن الرفاهية إلى إدراك إلى أن قيمتنا الحقيقية هي فيك ومعك وفي وحدتنا معًا، واشتراكنا في الألم. أجعل لنا أن نحيا بفكر الخادم وبفكر العبد متذكرين كلامك دائمَا: “فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا.  كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.” (متى 20: 26-28). نصلي أن يكون لنا فكر المسيح وقيم المسيح. أمين.

خدمة مساء الأحد 4 سبتمبر 2022م

القس عيد صلاح

الكنيسة الإنجيلية بعين شمس، القاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.